حوار مناوي والواثق كمير من «كيف أُعِدَّ السودان» إلى «كيف انتهى السودان
حاتم الياس يكتب ..
عن السير دوغلاس نيوبولد، عضو الجهاز الإداري السياسي السوداني إبان الحكم الإنجليزي، كتب د. د. هندرسون، مدير مديرية دارفور، كتابه ذاك، ويحمل مراسلات الإداريين البريطانيين. ترجمه إلى العربية محمود صالح عثمان صالح، وصدر من مركز عبد الكريم ميرغني، رد الله غربته. وكتاب «كيف أُعِدَّ السودان» يسلط الضوء على فترة مهمة من تاريخ الاستعمار والتحديات الإدارية التي واجهها رجال الإدارة البريطانية، وهو، وإن كان يحتوي على معلومات في غاية الأهمية، لكن الكتاب نفسه مادة مهمة وكاشفة لدراسات نقد ما بعد الاستعمار، ويقود لمعرفة الذهنية الاستعمارية وكيف كان هؤلاء الإداريون يرسمون مصير دولة تقع تحت حكمهم، في غياب تام لأيٍّ من مواطني تلك الدولة، وكأن الاستعمار هو حالة ألوهة تملك تقرير مصائر الأمم.
منذ ذلك الزمن البعيد الذي أُعِدَّ فيه السودان إلى حوار الواثق كمير ومناوي، الذي صاغه دكتور الواثق كمير بنوع من المودة التي يقول فيها إنه يعرف الأخ مناوي، ويعرفه مناوي؛ أي بينهم سابق معرفة وألفة تقود لرسم مسار من التواطؤ يخفض حدة الحوار ليصبح مثل التربيت على الأكتاف وليس حواراً.
لكن، للأمانة، لا يهمنا محتوى ذلك، أي محتوى ما قاله الواثق كمير دفاعاً عن لجنة البرهان، ولا ما قاله مناوي في التعريض بجدوى لجنة الحوار الوطني. فهي، كما قلت سابقاً، لجنة أقرب إلى مجموعة تجتمع لكتابة كروت دعوات الأعراس.
فقبل زمن ليس بالبريد وقبل أن تتحول كروت دعوات الأعراس إلى فضاء الملتيميديا، كان صاحب المناسبة يدعو عدداً من المعارف وأهل الحي لديهم معرفة اجتماعية واسعة بالناس وأسمائهم، ليجتمعوا في صالون المنزل ويكتبون رقاع الدعوات، بحرص ان لا يسقط اسم مدعو من الذاكرة حتى يستدرك الآخر أو الآخرون.
ولأن هذه المجموعة التي سماها البرهان للدعوة للحوار مستندة إلى سردية البرهان ومجموعته من الإسلاميين في تفسير الحرب باعتبارها حرب كرامة وصد مؤسسات الدولة، ترى هل بإمكانها أن تعلن أن هذا الحوار نفسه سيعيد تعريف أسباب الحرب ومن بدأ الحرب، لما في ذلك انقلاب البرهان/الإسلاميين؟
في ظني أن مناوي، الذي أعتبره يعمل في مجال المقاولة العسكرية أكثر من كونه سياسياً محترفاً، وهذه هي أزمته وأزمة حركته العسكرية، التي ينطبق عليها مقطع محمد المكي إبراهيم في قصيدة «قطار الغرب»: «ولهم أذن تسمع رنة القرش في المريخ».
وهي، بالمناسبة، أول عمل شعري عاين باستبصار جمالي كاشف مفهوم المركز والهامش، الذي يتوسط الآن النزاع السوداني كخطاب سياسي وفكري.
بدأت لي مجموعة دكتور الواثق كمير وجماعته تلك مثل جماعة الصالون من كتبة رقاع الدعوة، والعاقبة عندكم في المسرات.
لكن بشكل عام، سخصياً لا أستطيع إبعاد شبح التشاؤم، ولا يريد حتى الخوض في التفاصيل من باب «القنع»، كما تقول والدتي بلكنة أهلها في الباوقة. يبدو لي أن الحركة الإسلامية بجيشها ومؤيديها من طبقة أفندية المركز الحضري التاريخي، الذين تبادلوا السلطة والأزمة معاً، نقترب من إعلان نهاية وطن اسمه السودان.
وما محاولة الواثق كمير في رده الودود على مناوي إلا توسل بأن «خلينا نجرب المسار ده»، لكن يبدو أن الواقع انسد بشكل صلد، بينما الأحداث تتسارع بلا هوادة لإعلان هذه النهاية التي اختارتها لنا حركة الإسلام السياسي بعبارة «يا فيها يا نفسيها».
وهنا، للأمانة، كنت سأسعد بدعوة الحركة الإسلامية للحوار، بشرط أن يكون هناك اتفاق على استمرار عمل لجنة تفكيك التمكين. ترى، هل سيقبلون؟
عموماً، يمكن أن نقول إن المشهد السياسي كبنية دولة قد انتهى تماماً، وأظن لو عاد أولئك الإداريون مرة أخرى وألقوا نظرة على المشهد العام، بلجنته وبمناويه وندى قلعته ومحمد جلاله وبركته الساكنة ، ستكون مراسلاتهم هذه المرة:
«كيف انتهى السودان؟»
