قراءة نفسية في الحرب السودانية(6)
آدم زكريا بكر يكتب ..
• عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن
في المقالة رقم(5) قلت إنه عندما يُستهدف الفرد بناءً على انتمائه القبلي أو الاجتماعي أو الجهوي ويتم استهداف مكونه الاجتماعي ، وتوصف القبيلة بأنها عدو، تحل المسؤولية الجماعية محل المسؤولية الفردية. ومواصلة للسلسلة ووفقا لنظرية التنافر المعرفي ( وهو شعور مزعج بالتوتر والقلق يصيب الإنسان عندما تتناقض أفكاره أو معتقداته مع سلوكه الفعلي) تعمل هذه الحالة النفسية لدى كلا الطرفين؛ إذ يمكن لمؤيد قوات الدعم السريع أن يدرك أن هذه القوات مثلها مثل الجيش ارتكبت فظائع مروعة، ومع ذلك يعتقد في الوقت نفسه أن “قوات الدعم السريع ضرورية” وهذا يولد حالة من التنافر المعرفي. حيث يمكن للعقل حل هذا التنافر عبر تبريرات مثل “الإعلام يبالغ في تصوير جرائم الدعم السريع”، أو أن الجيش ارتكب ما هو أسوأ بكثير، أو لا بديل عن الدعم السريع لأن الجيش يريد تدميرنا وإبادتنا ، أو لا يمكنك الحكم على الدعم السريع دون النظر إلى مسببات الحرب. ويجب التنبيه إلى أن بعض هذه العبارات والمواقف قد تنطوي على حقائق فعلية، مما يجعل رصد التفكير المدفوع بدوافع مسبقة أمراً صعباً للغاية؛ فالشخص لا يختلق كل شيء بالضرورة، بل يقوم بانتقاء معلومات حقيقية وترتيبها ضمن سردية تحمي مجموعته وحاضنته الاجتماعية. ويمكن أن يحدث الأمر ذاته تماماً لدى مؤيدي القوات المسلحة السودانية بالطبع كما رأينا في المقالات السابقة.
لقد رأينا أن قادة في الحركة الإسلامية وقادة في الجيش وصحفيين وناشطين يحرضون صراحة لا ضمنا على إبادة مكونات اجتماعية بعينها عن بكرة أبيها، رجالا ونساء وأطفال وكبار السن مما أدى إلى استنفار عسكري هائل للدفاع عن هذه المكونات وليس بالضرورة للدفاع عن مشروع تأسيس ذاته؛ ورأينا وسمعنا تصريحات لقادة ميدانيين في قوات الدعم السريع أبدوا استعدادهم لمواصلة الحرب لعقود. فوفقا لنظرية إدارة الرعب ومن منظور نفسي، يبدو هذا منطقياً إذ تحول الصراع إلى معركة وجودية؛ فإذا اعتقدت مجموعة ما أنها إذا خسرت فستتعرض للمذابح، فإن الاستسلام لا يعود يُنظر إليه نفسياً على أنه مجرد خسارة حرب، بل يتحول إلى مرادف للموت والتهجير والإذلال والإبادة. وفي ظل هذا التصور، قد تبدو الحرب حتى وإن كانت باهظة التكلفة بشكل استثنائي خياراً أفضل من الاستسلام. إنها في جوهرها سيكولوجية التهديد الوجودي؛ فالشخص لا يقارن بين السلام والحرب، بل يقارن بين احتمالية البقاء (وإن كانت غير مؤكدة) عبر القتال، وبين الإبادة والدمار المحقق في حال الاستسلام. وبمجرد النظر إلى الخيار الثاني باعتباره خطراً وجودياً، تزداد الاستعدادية والجاهزية لتحمل معاناة هائلة.
وفي ذات الإطار تكتسب نظرية الاحتمالات أهمية بالغة هنا؛ إذ نلاحظ أن أعداد قوات الدعم السريع، وفقاً للتقارير، قد تزايدت رغم أنها أيضا تكبدت خسائر بشرية هائلة، وهي ظاهرة مثيرة للاهتمام من الناحية النفسية. لقد استمرت عمليات التجنيد والحشد والاستنفار بوضوح، ولا يزال الصراع يتمتع بقدرة عالية على الاستمرار، حيث تشير التقديرات الحالية إلى احتفاظ كلا الطرفين بهياكل عسكرية وسيطرة ميدانية واسعة. وتقدم لنا نظرية الاحتمالات تفسيراً مفيداً لذلك؛ فالأشخاص الذين يشعرون بأنهم تكبدوا بالفعل خسائر فادحة قد يصبحون أكثر ميلاً للمخاطرة. تخيل شخصاً يقول: “لقد دمروا كل ما نملك بالفعل”؛ فهذا الشخص قد دخل نفسياً في نطاق الخسارة. ولذلك لم يعد خياره “هل نخاطر بسنة أخرى من الحرب؟”، بل أصبح خياره ما الذي تبقى لنا لنخسره؟. وهذا التفكير قد يولد استعداداً استثنائياً لمواصلة القتال.
وهناك ثمة ظاهرة خطيرة للغاية تُعرف بانعدام ما يمكن خسارته، وهي ظاهرة تستحق اهتماماً خاصاً. لنفترض أن شاباً فقد منزله ووالده ومصدر رزقه وتعليمه ومجتمعه ومستقبله؛ ثم تخيل أن أحدهم يطلب منه إلقاء السلاح. قد تكون استجابته النفسية هي “من أجل ماذا وأي مستقبل تعرضه عليّ؟”. تُعد هذه إحدى الآليات الكامنة وراء استمرار حركات التمرد والحروب الأهلية لفترات طويلة؛ إذ يتحول التنظيم المسلح من مجرد هيكل عسكري إلى منظومة توفر للفرد فرص العمل، والهوية، والانتماء المجتمعي، وسبيل الانتقام، والغاية، والحماية، والمكانة الاجتماعية. ومن ثم، فإن التفكير في نزع سلاح هذا التنظيم أو الحركة يعني تفكيك منظومة نفسية متكاملة، ولذلك ينبغي التفكير بجدية لحل هذه المعضلة. وحقيقة إذا أردنا سودان متعافي من الحروب يجب معالجة هذه المشكلة، وحتما وصفها بأنها تنظيمات وحركات مرتزقة ويجب حسمها عسكريا لا يزيد الوضع إلا تعقيدا لاسيما وأنها تعتقد ليس لديها ما تخسره. فكل من منسوبي وداعمي قوات الدعم السريع ومنسوبي وداعمي القوات المشتركة( جبريل ومناوي، وغيرهما) يجمعهما غبن فعندما يكون الانتقام شكل من أشكال العدالة النفسية يمكن للصدمة الجماعية أن تولّد دافعاً للانتقام. قد يفكر المرء قائلاً: “لقد قتلوا أخي؛ لا بد أن يدفع أحدهم الثمن”. ثم إلى “إذا توقفنا الآن، فلن يكون لموته أي معنى”. وهنا يرتبط الانتقام بمعنىً ما؛ فالشخص لا يرى نفسه بالضرورة شخصاً عنيفاً، بل قد يرى نفسه “الشخص الذي يعيد إرساء العدالة”. وهذا يمثل اختلافاً نفسياً جوهرياً، ويفسر سبب توليد الفظائع لفظائع جديدة؛ فالعنف يولد الصدمة، والصدمة تولد الرغبة في الانتقام، والانتقام يولد صدمة جديدة، والصدمة الجديدة تؤدي إلى مزيد من عمليات التجنيد والاستنفار والتحشيد. وتلك هي حلقة التغذية الراجعة للصراع. إن تصريحات مثل سنصل إلى أم دافوق، وهي بلدة في ديار التعايشة( وهو تصريح يعني محو القبائل في الطريق إلى هناك)، أو تهديدات مثل سنذبح القبائل الفلانية ذبح الشياه والخراف بدون خجل، والادعاء بأن الدين يأمر بذلك تعد من أخطر التصريحات طوال فترة الحرب وأسوأها على الإطلاق.
وذلك كله يقودنا إلى أخطر تطور نفسي وهو الانقلاب الأخلاقي. ففي البداية، تكون القاعدة هي “قتل المدنيين عمل خاطئ”، وبعد صراع طويل ومرير، تصبح القاعدة هي”قتل المدنيين خطأ… إلا إذا كانوا يساعدون العدو أي متعاونين”، ثم تتغير لتصبح “إنهم جميعاً يساعدون العدو” ثم إلى “قتلهم يحمي المدنيين”. وهذا تحول أخلاقي خطير؛ فالشخص لم يتخلَّ بالضرورة عن الأخلاق، بل أصبحت الأخلاق لديه مرتبطة بالجماعة، من ثم تصبح قاعدته الأخلاقية هي “احمِ مدنيينا، وعاقب مدنييهم”. وهكذا يمكن لأشخاص عاديين تماماً أن يشاركوا نفسياً في ممارسات تتسم بقسوة استثنائية سواء كانوا داعمين للقوات المسلحة أو للدعم السريع.
تجدر الإشارة إلى إنني في كافة هذه المقالات إنما أقوم بقراءة وتحليل نفسي للمواقف المتخذة خلال هذه الحرب، ولا أبرر أي عنف أو سلوك يجرمه القانون.
واختتم هذا المقال بقول زهير بن أبي سلمى وهو يذم الحرب بقوله:
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ
فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ كَأَحْمَـر عَادٍ ثُمَّ تُرْضع فتَفطِم
ونواصل……..
