الجميل الفاضل يكتب: طبُّ البرعي في زمن الحرب؟! (١)
ربما بتنا، في هذه الأيام، أحوج ما نكون إلى ما يمكن أن نسميه: «طِبَّ البرعي».
فالحرب التي دخلت عامها الرابع، لم تكشف فقط سوء ما فعله الآخرون بنا، لقد أخرجت منا أسوأ ما فينا، ثم أزالت عن نفوسنا أقنعةً كثيرة، قبل أن تثبت لنا أن الشر ليس من اختصاص الآخرين، وأننا لسنا ملائكة كما كنا نظن.
وهنا يبدأ العلاج، لا من سؤال: من فعل بنا هذا؟ بل من السؤال الأصعب: ما الذي فعلته هذه الحرب بنا؟، وماذا فعل بنا ما فعلناه نحن بأنفسنا؟.
فالحرب الجارية لم تكن، في كثير من صورها، حرباً على النقيض من السلام فقط؛ إنما جاءت، في مشاهد كثيرة منها، على النقيض من أخلاق الحرب نفسها.
فالإسلام، حتى وقت أباح القتال، لم يترك الإنسان بلا حدود.
انظر كيف كان أبو بكر الصديق يوصي جيش أسامة: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة… ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة…»
ثم يبلغ الأمر ذروته:
«وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.»
أي أن الحرب، حتى وهي حرب، لم تكن رخصةً لإلغاء الإنسان.
للطفل فيها حرمة، وللشيخ حرمة، وللمرأة حرمة، وللشجرة حرمة، وللحيوان حرمة، ولمن اعتزل الناس في صومعته حرمة.
فكيف أصبحنا نحن، في حربنا هذه، أقل رحمةً حتي من أوحش وحش كاسر؟، لهذا يبدو «طب البرعي» اليوم كأنه تخصص علاجي نادر: ليس للجسد، لكن للنفوس التي أعطبتها الحرب.
نفسٍ يغلبها الغضب، ونفسٍ يستولي عليها الثأر، ونفسٍ ترى الآخر شراً خالصاً، فلا تعود ترى فيه إنساناً.
ونفسٍ تبرر لنفسها ما كانت ستعده جريمةً لو فعله بها خصمها.
عموما، هذا طبٌّ لا يُستحصل بسهولة.
لأن أول شروطه: أن تملك شجاعة مواجهة ذاتك، أن تدخل إلى نفسك لا إلى خصمك.
أن تسأل: أين أخطأت؟، أين ظلمت؟، متى تجاوزت؟، ومتى جعلت من جرحك رخصةً لإيذاء غيرك؟.
وللحقيقة، فمن لا يستطيع أن يحاكم نفسه، لن تنفعه محاكم العالم كلها.
ومن هنا نفهم لماذا تبدأ روشتة البرعي من موضع يبدو مستحيلاً في زمن الحرب:
«أحسن فيمن عاداك ومن يحبك.»
إنه لا يقول: أحسن لمن أحسن إليك، فهذه أخلاق المعاملة بالمثل.
ولا يقول: سامح من سامحك، إنما يضع إصبعه على الجرح مباشرة: من “عاداك”.
فالإنسان لا يُختبر في محبته لمن يحبه، لكن يُختبر عندما يملك القدرة على إيذاء من يؤذيه، ثم يسأل: هل أترك لهذا الآخر أن يحدد أخلاقي؟.
وهنا يبدأ التحول: فالعدو قد يستطيع أن يؤذي جسدك، وقد يهدم بيتك، وقد يأخذ منك شيئاً عزيزاً؛ لكن أخطر انتصاراته عليك أن يجعلك نسخةً منه.
ثم يقول البرعي: «أنسى إحسانك فيمن يحبك، وتناسَ إساءة من يسبك.»
وهذه ليست دعوة إلى النسيان الساذج، ولا إلى ترك الحقوق، ولا إلى مصادرة العدالة.
إنها دعوة إلى تحرير القلب من دفاتر الحساب.
أن تنسى إحسانك، حتى لا يتحول عطاؤك إلى منّة.
وأن تتناسى إساءة من يسبك، حتى لا تتحول الإساءة إلى عقيدة تعيش عليها.
فالجرح قد يكون حقيقة، لكن تحويل الجرح إلى هوية هو مرض آخر.
فالحرب عندما تستوطن الذاكرة قد تجعل كل قبرٍ سبباً لقبر، وكل دمٍ ذريعةً لدم، وكل مظلمةٍ مبرراً لمظلمة جديدة.
وهكذا لا تنتهي الحرب حتى بعد أن تصمت البنادق.
ثم يكشف البرعي أصل الداء: «خالف هوى نفسك حسدك وضرك.»
هنا، فجأة، ينتقل العدو من الخارج إلى داخل النفس.
تلك النفس التي تحسد، النفس التي تغضب، النفس التي تريد أن تنتقم، النفس التي تقول: هو فعل، إذن أفعل، هو ظلم، إذن أظلم، هو قتل أو مثل، إذن يحق لي أن أقتل وأمثل.
وهنا تكمن خطورة الحرب الحقيقية: أن تجعل الإنسان يستعير من خصمه منطقه، ثم يقاتله به.
ولذلك يقول البرعي: «الزم محلك، وتحلى بالآداب حرمك وحلك، واصبر لأمر الله حين يمتحن لك.»
كأنها ثلاث درجات للنجاة: اعرف مقامك، الزم أدبه، ثم اصبر حين تُختبر، فالإنسان في الحرب قد يخرج من مقامه: الضحية قد تتحول إلى منتقم، والمنتقم إلى جلاد، والجلاد إلى صاحب حق مزعوم.
وهنا يصبح الألم نفسه آلة لإنتاج ألم جديد، لكن البرعي يقول: الزم محلك، أي: لا تسمح للحرب أن تخرجك من إنسانيتك.
وهنا يتضح أيضاُ أن «طب البرعي» ليس وصفةً لتلطيف النفوس فقط، إنه محاولة لتحريرها من ربقة الشر، بأن تنجو من أن تصبح الحرب جزءاً من تكوينها.
فقد تنتهي الحرب خارجك، لكن يبقى العدو في رأسك، وقد تُدفن البنادق، ولا تُدفن الرغبة في الانتقام.
وقد يعود النازح إلى بيته، ولا يعود البيت إلى مكانه، سكن مودة ورحمة.
ولهذا فإن السؤال الذي يتركه لنا البرعي، ليس: كيف ننتصر على عدونا؟ بل: كيف ننتصر على أنفسنا، حتى لا يصبح انتصارنا على عدونا هزيمةً للإنسان فينا؟، ذلك هو أول أبواب «طب البرعي».
أما كيف يتحول هذا الطب من تربيةٍ للنفس إلى أخلاقٍ للحرب، ثم إلى شروطٍ لسلام ما بعد الحرب، فتلك قصة أخرى.
