قراءة نفسية في الحرب السودانية(2)

آدم زكريا بكر يكتب..

عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن
في المقال الأول قلنا إنه كلما زادت معاناة الناس جراء الحرب، أصبح من الصعب عليهم نفسياً تقبّل فكرة انتهائها دون تحقيق النصر لأنه يشعرهم أن الهزيمة العسكرية ستؤدي إلى استيلاء الخصم وتعرض عائلته للخطر وتلاشي هويته أو مجتمعه ومن ثم فإن المعاناة الهائلة الناجمة عن الحرب بمثابة ثمن للبقاء. كما أنه كلما طال أمد الصراع، زادت التكلفة النفسية لتغيير الموقف. ونواصل في هذا المقال في قراءتنا النفسية لهذه الحرب فنقول وفقا للمفاهيم النفسية ما يلي:
ثالثا: التنافر المعرفي(حالة عدم الارتياح والتوتر حينما يحمل المرء قيمًا أو إعتقادات متعاكسة أو يمتلك سلوكاً يعاكس قيمه المعرفية): وهذه الحالة النفسية عندما يتوصل المرء إلى أنه طالما قد عانى كل هذه المعاناة، فلا بد أن يكون ذلك لسبب وجيه. قد تكون هذه واحدة من أقوى الآليات النفسية تأثيراً. تخيل شخصاً قد فقد منزله، فقد أقاربه، تعرض للنزوح، قضى سنوات في المعاناة، قدم تضحيات مالية، دافع علناً عن أحد الطرفين، ثم يأتي شخص ويقترح ايقاف الحرب والتفاوض. من الناحية النفسية، قد يثير هذا الاقتراح تساؤلاً مؤلماً وهو هل كانت كل تلك المعاناة بلا داعٍ؟ وهي نتيجة يرفضها العقل بشدة. لذا، قد يلجأ الناس دون وعي منهم إلى حل هذا التناقض بالتفكير على النحو التالي: لقد قدمنا تضحيات هائلة بالفعل؛ لا يمكننا التوقف الآن. وهذا الأمر يرتبط بما يُعرف بمغالطة التكلفة الغارقة وهي حالة الخطأ في اتخاذ القرار يدفعك للاستمرار في مشروع خاسر لمجرد أنك أنفقت عليه سابقاً. وبالتالي، يمكن للمعاناة بحد ذاتها أن تتحول إلى حجة لمواصلة الصراع. ألا ترى أن قادة الحركة الاسلامية قد اعترفوا علنا بالاعداد الهائلة من القتلى من الضباط والجنود ولكنهم يصرون على استمرار الحرب. والمفارقة هنا هي إنها كلما زادت تضحيات المرء من أجل قضية ما، زادت صعوبة التخلي عنها من الناحية النفسية. وأود الإشارة إلى أنني لا أبرر هذه المفارقة ولا الدوافع الأخرى المرتبطة بها وإنما هو تحليل للنفس البشرية كما هي.
رابعا: سيكولوجية الانتقام، وهي تشير إلى أنه يمكن للغضب أن يطغى على منطق الموازنة بين التكلفة والعائد، وهذا أمر بالغ الأهمية، فإذا شهد شخص ما، أو سمع روايات موثوقة عن عملياتِ مذابح أو اغتصاب أو تعذيب أو عنفٍ عرقي أو تهجير أو قتل، فقد يتولد لديه شعور عميق بالأذى الأخلاقي والغضب، وحينها، يصبح المنطق العاطفي كالتالي:
“كيف يمكنني التفاوض مع أشخاص ارتكبوا هذه الأفعال؟” وهذا يختلف عن الخلاف السياسي العادي. إذ يمكن للرغبة في تحقيق العدالة أن تتحول إلى رغبة في الانتقام والعقاب. وبالتالي يتوصل إلى قناعة مفادها أن السلام يعني السماح للمجرمين بالإفلات من العقاب، ولذلك نرى الرغبة العارمة لدى طرفي الصراع بالظفر بالطرف الآخر ومحاسبته وعقابه. وبذلك يتبنون موقفا يرون في الحرب تحقيقا للعدالة، على الرغم من أن استمرار الحرب قد يؤدي فعلياً إلى مزيد من المعاناة للمدنيين. وهذا الموقف يقودنا إلى الانفصال الأخلاقي.
خامسا: الانفصال الأخلاقي وهو حالة نفسية يفصل فيها الإنسان بين قيمه الأخلاقية وأفعاله ليبرر سلوكياته الخاطئة أو المؤذية دون أن يشعر بتأنيب الضمير ويتبنى موقفا فحواه “جانبي مختلفٌ أخلاقياً عن جانبهم”، ويميل إلى تفسير السلوك نفسه بطرق مختلفة بناءً على هوية من يقوم به. فعلى سبيل المثال، قصفنا للخصم وحواضنه “ضرورة لهزيمته ” بينما قصفهم جريمة حرب؛ وجنودنا مدافعون، بينما جنودهم مجرمون. وهذا لا يعني بالضرورة أن الشخص غير صادق عن وعي؛ فالإدراك البشري ينطوي بطبيعته على عنصر قوي مما يُعرف بـالتفكير الموجه بدوافع مسبقة. ألا ترون أن صحفيات وأمهات يدعمن الجيش يحرضن الجيش على قصف وقتل أطفال ونساء مثلهن! أود الإشارة هاهنا مرة أخرى إلى إنني لا أبرر سلوكا إجراميا مشيننا ولا أدعمه وإنما أحلل السلوك البشري في زمن الحرب، ولست قانونيا ولا قاضيا أصدر الأحكام ولا فقهيا أصدر الفتوى، وآمل أن يستصحب المفاوضون هذه القراءة المحايدة عند التفاوض.
سادسا: اندماج الهوية، هو العملية التي يوازن فيها الفرد بين جوانب هويته المختلفة أو بين ثقافته الأصلية وثقافة المجتمع أو التحالف الجديد ليحقق التناغم الداخلي دون فقدان للجذور، ولعل هذه الحالة واضحة في تحالفات تأسيس وتحالف قوات المشتركة مع القوات المسلحة السودانية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في الحروب الأهلية. حيث يمكن للفرد أن يندمج نفسياً مع مجموعة ما ويتبنى موقفا مفاده إذا خسرت مجموعتي، فأنا الخاسر أيضاً، وعندها، يُنظر إلى انتقاد المجموعة على أنه انتقادٌ للذات. ومن ثم الدفاع عن الدعم السريع هو دفاع عن النفس والحواضن الاجتماعية، ومن يدعم الجيش يرى أن الدفاع عنه يعني الدفاع عن السودان. وتتمتع هذه المعادلة بقوة نفسية هائلة. وبذلك تسوق الحركة الاسلامية هذه السردية للترسيخ في الأذهان وهي أن المؤسسة العسكرية رمزاً للوطن ذاته، وأن الدعوة إلى وقف إطلاق النار ما هي إلا خيانة، ضعف، استسلام، تواطؤ، أو تخلٍ عن الوطن. ولهذا السبب، قد تفشل الحجج القائمة فقط على أعداد الضحايا والمعاناة الإنسانية في إقناعها. وفي نفس الوقت قد يتمسك الدعم السريع بمواقفه دون تزحزح، وربما حتى عندما يقدم الوسطاء للطرفين اقتراحات وفق حسابات إنسانية، يتم رفضها لأنهما ينطلقان من حسابات تتعلق بالهوية.
نواصل……