مناوي والإمارات: عندما تكون الدبلوماسية طريقاً إلى السلام

مهدي داود الخليفة يكتب..

في خضم الحرب السودانية التي استنزفت البلاد بشرياً واقتصادياً وسياسياً، وأدخلتها في واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية والدولية، يصبح من الضروري أن نعيد التفكير في أدوات إدارة الأزمة، لا سيما في علاقات السودان مع الدول التي تمتلك نفوذاً وتأثيراً مباشراً أو غير مباشر في مسار الحرب.

ومن هذه الزاوية، أعتقد أن الطرح الذي تقدم به السيد مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، بشأن ضرورة فتح قناة تواصل مع دولة الإمارات العربية المتحدة، يستحق اهتماماً خاصاً ونقاشاً هادئاً بعيداً عن الاستقطاب.

فقد أكد مناوي أن السودان ليس لديه مشكلة مع الإمارات، وأن التواصل معها أمر ضروري، داعياً إلى منح السودان فرصة للحديث مع الإمارات «كدولة لدولة» للوصول إلى تفاهمات سياسية واقتصادية، وفتح الباب أمام التعاون والاستثمار.

وقد يبدو هذا الطرح للبعض بسيطاً، لكنه في الحقيقة يحمل دلالة سياسية مهمة: إدارة الخلافات بين الدول لا تكون دائماً بالقطيعة، وإنما بالحوار المباشر والتفاوض.

العلاقات السودانية الإماراتية ليست وليدة الحرب الحالية، ولا ينبغي أن تُقرأ كلها من خلال عدسة الصراع الدائر منذ أبريل 2023.

فالسودان كان من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع دولة الإمارات بعد قيام الاتحاد في ديسمبر 1971. وبعد أشهر قليلة، قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بزيارة رسمية إلى السودان في فبراير 1972، ثم قام الرئيس السوداني انذاك جعفر نميري بزيارة رسمية إلى الإمارات في أبريل من العام نفسه.

ومنذ ذلك التاريخ تطورت العلاقات بين البلدين سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ونشأت بين الشعبين روابط إنسانية واجتماعية عميقة.

كما كان السودانيون حاضرين في مسيرة بناء الإمارات الحديثة منذ عقود، في التعليم والطب والهندسة والإدارة والاقتصاد والإعلام وغيرها من المجالات. وتطورت العلاقات الثنائية لتشمل التعاون الاقتصادي والاستثماري والثقافي، إلى جانب وجود جالية سودانية كبيرة في الإمارات.

ولهذا فإن التعامل مع الإمارات باعتبارها مجرد «طرف خارجي» في الأزمة السودانية يتجاهل تاريخاً طويلاً من العلاقات والمصالح المتبادلة.

إن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تختزلها لحظة سياسية مهما كانت قسوتها، والخلاف بين الحكومات لا ينبغي أن يمحو تاريخاً من العلاقات بين المواطنين.

الأهم في طرح مناوي أنه لا ينبغي فهم التواصل مع الإمارات باعتباره تنازلاً عن الموقف السوداني، أو قبولاً مسبقاً بكل ما تقوله أبوظبي.

الدبلوماسية ليست كذلك.

الدبلوماسية تعني أن تتحدث مع من تختلف معه، وأن تطرح أمامه أسئلتك ومخاوفك ومصالحك، وأن تبحث عن نقاط الالتقاء الممكنة.

بل إن وجود الخلاف يجعل التواصل أكثر ضرورة.

فإذا كانت الخرطوم لديها اتهامات أو تحفظات على الدور الإماراتي في الحرب، فإن القناة الصحيحة لطرحها هي الحوار المباشر. وإذا كانت أبوظبي تنفي هذه الاتهامات، فإن التواصل المباشر يوفر لها أيضاً فرصة لشرح موقفها وتقديم ما يمكن أن يطمئن الجانب السوداني.

أما استمرار القطيعة، فإنه يترك المجال مفتوحاً للتصعيد الإعلامي، ويجعل الآخرين يتحدثون نيابة عن الطرفين.

وهنا تحديداً تكمن قيمة طرح مناوي.

فهو لا يقول إن السودان يجب أن يتخلى عن مواقفه، وإنما يقول إن الخلاف لا ينبغي أن يمنع الحوار.

السؤال الحقيقي ليس: هل نتحدث مع الإمارات أم لا؟

السؤال هو: ماذا نريد من هذا التواصل؟

يمكن أن يبدأ الحوار بملفات محددة وواضحة.

أولها، وقف الحرب ووقف تدفق السلاح، عبر بحث كل ما يتعلق بالإمدادات الخارجية بصورة مباشرة، بدلاً من تبادل الاتهامات عبر المنابر الدولية.

وثانيها، حماية المدنيين والمساعدات الإنسانية، خصوصاً أن السودان يواجه أزمة إنسانية هائلة، وأن أي دولة تملك نفوذاً إقليمياً يمكن أن تلعب دوراً في تخفيف المعاناة.

وثالثها، المسار السياسي. فالإمارات عضو في المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، والتي تعمل ضمن الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب وتهيئة الظروف لمسار سياسي بقيادة مدنية. كما أعلنت الإمارات في مجلس الأمن دعمها لهدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، وصولاً إلى وقف دائم لإطلاق النار وانتقال مدني.

وهذا يعني أن الإمارات موجودة أصلاً في أحد الأطر الدولية الرئيسية المعنية بمحاولة إنهاء الحرب.

فلماذا لا يكون للسودان معها حوار مباشر؟

إذا كان الهدف هو وقف الحرب، فإن الحديث مع الأطراف التي يمكن أن تؤثر في مسارها يصبح جزءاً من أدوات السلام، وليس خروجاً عنها.

أهمية طرح مناوي تكمن أيضاً في أنه يطرح مقاربة مختلفة عن الخطاب الدبلوماسي الأكثر تشدداً الذي ظهر في بعض المواقف الرسمية السودانية تجاه الإمارات، خصوصاً في المحافل الدولية.

المواجهة الدبلوماسية قد تكون ضرورية في بعض الظروف، وطرح الاتهامات أمام المؤسسات الدولية حق سيادي للسودان، لكن لا ينبغي أن تصبح المواجهة بديلاً عن الحوار.

فالدولة التي تريد إنهاء حربها تحتاج إلى جميع أدوات السياسة الخارجية: الضغط، والتفاوض، والوساطة، والاتصال المباشر، وبناء التحالفات.

ولا يمكن أن نطالب دولة ما بأن تستخدم نفوذها لإنهاء الحرب بينما نرفض التواصل معها.

فالبيانات قد تسجل موقفاً، لكنها لا توقف حرباً.

والاتهامات قد تضع قضية على جدول أعمال المجتمع الدولي، لكنها وحدها لا تصنع تسوية.

أما التفاوض المباشر، فيمكن أن يفتح أبواباً لا تفتحها البيانات.

هذا لا يعني افتراض أن الإمارات ستستجيب لكل المطالب السودانية، ولا يعني تجاهل الاتهامات المتبادلة.

لكنه يعني أن السودان يمكن أن يحاول تحويل العلاقة من منطقة الاتهام والقطيعة إلى منطقة المصالح المشتركة.

فإذا كانت الإمارات تمتلك مصالح في البحر الأحمر أو السودان أو دارفور، فإن الطريق الطبيعي هو أن تبحث هذه المصالح مع الدولة السودانية بصورة مباشرة، على أساس السيادة والمصالح المتبادلة.

وقد تحدث مناوي عن إمكانية الاستثمار الإماراتي في السودان ودارفور إذا تم التوصل إلى تفاهمات بين البلدين.

وهنا يمكن أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى أحد جسور السلام.

السودان بعد الحرب سيحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء الطرق والمطارات والكهرباء والمياه والزراعة والصناعة والمستشفيات والمدارس.

ولذلك فإن السؤال ليس فقط:

من كان معنا أثناء الحرب؟

بل أيضاً:

من يستطيع أن يساعدنا في بناء السلام وإعادة الإعمار بعد الحرب؟

ولا يبدأ التواصل بالضرورة من نقطة الصفر؛ فهناك جسور سودانية قائمة يمكن الاستفادة منها في تهيئة هذا الطريق.

فهناك عدد من الشخصيات السودانية المقيمة في دولة الإمارات منذ سنوات طويلة، ولديها معرفة عميقة بالمجتمع الإماراتي، وخبرة سياسية وقانونية ودبلوماسية، إلى جانب علاقات ممتدة يمكن أن تساعد في فتح نوافذ للحوار وتخفيف سوء الفهم.

ومن بين هذه الشخصيات السيد صالح فرح، والأستاذ القانوني فيصل عبد الرحمن علي طه، والسفير والوزير السابق إبراهيم طه أيوب، إلى جانب شخصيات سودانية أخرى ذات خبرة وعلاقات ممتدة في البلدين.

ولا يعني الاستفادة من هذه الشخصيات أن تحل محل المؤسسات الرسمية، أو أن تصبح بديلاً عن الدبلوماسية السودانية؛ وإنما يمكن أن تؤدي دوراً تمهيدياً مهماً في بناء الجسور، ونقل الرسائل، واستكشاف فرص التفاهم، وتهيئة الأرضية للاتصالات الرسمية.

وقد يكون من المفيد التفكير في تشكيل مجموعة اتصال سودانية محدودة تضم شخصيات سياسية ودبلوماسية وقانونية مشهوداً لها بالخبرة، تكون مهمتها المساعدة في فتح قناة للحوار مع الجانب الإماراتي، واستطلاع فرص التفاهم حول وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل المساعدات الإنسانية، ووقف أي دعم عسكري يمكن أن يطيل أمد الصراع، ثم الانتقال إلى ملفات إعادة الإعمار والاستثمار والعلاقات المستقبلية بين البلدين.

فالحوار لا يبدأ دائماً من مائدة التفاوض الرسمية؛ أحياناً يحتاج أولاً إلى من يفتح الباب، ويزيل سوء الفهم، وينقل الرسائل الأولية، ويهيئ الأرضية للقاء المباشر.

وفي الحالة السودانية الإماراتية، توجد جسور بشرية ومهنية واجتماعية تراكمت عبر أكثر من خمسة عقود، ويمكن أن تتحول، إذا أحسن استخدامها، من مجرد علاقات تاريخية إلى أدوات لصناعة السلام.

وقد تكون الرسالة الأولى بسيطة وواضحة:

نحن مختلفون، ولدينا أسئلة ومخاوف، ولكننا نريد أن نتحدث.

فليس مطلوباً أن يبدأ الحوار بالاتفاق، وإنما أن يبدأ بالاستماع المتبادل، وأن تتحول الخلافات من مادة للتصعيد إلى قضايا قابلة للنقاش والتفاوض.

في السياسة، من السهل رفع سقف الخطاب، وإصدار البيانات، وتبادل الاتهامات.

لكن الأصعب هو الجلوس إلى طاولة واحدة مع الطرف الذي تختلف معه، والاستماع إليه، وطرح شروطك، والبحث عن مساحة مشتركة.

وهذا هو جوهر الدبلوماسية.

ولذلك فإن دعوة مناوي إلى التواصل مع الإمارات ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها تراجعاً عن الموقف السوداني، وإنما باعتبارها محاولة لاستخدام أداة سياسية مختلفة في التعامل مع أزمة معقدة.

السودان لا يحتاج إلى أن يختار بين الدفاع عن مصالحه والحوار مع الآخرين.

يمكنه أن يفعل الأمرين معاً.

لقد أثبتت الحرب أن السودان لا يستطيع إدارة أزمته الداخلية بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي.

فالحرب لها امتدادات إقليمية، والسلام كذلك.

ومن ثم فإن المطلوب هو فتح قنوات تواصل مع جميع الدول المؤثرة، وليس الإمارات وحدها، على أساس واضح:

السيادة السودانية،

وحدة البلاد،

وقف الحرب،

حماية المدنيين،

ورفض دعم أي طرف بما يطيل أمد الصراع.

وإذا كانت هناك خلافات مع الإمارات، فلتُطرح على طاولة الحوار.

وإذا كانت هناك اتهامات، فلتُناقش بالأدلة.

وإذا كانت هناك مصالح مشتركة، فلتُستخدم لبناء الثقة.

وإذا كانت هناك قدرة إماراتية على التأثير في أي من أطراف الأزمة، فليُستخدم هذا النفوذ للوصول إلى وقف إطلاق النار.

في النهاية، لا تحتاج الدبلوماسية إلى أن تبدأ بالاتفاق؛ يكفي أن تبدأ بالجلوس إلى الطاولة.

ولهذا فإن طرح مني أركو مناوي يستحق أن يُنظر إليه باعتباره دعوة إلى إعادة السياسة السودانية إلى أدواتها الطبيعية: الحوار، والتفاوض، والمصالح المتبادلة.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من القطيعة، ولا إلى حرب بيانات جديدة.

السودان يحتاج إلى كل قناة يمكن أن تقوده إلى السلام.

وقد يكون فتح قناة مباشرة مع الإمارات، بدلاً من إغلاقها، إحدى هذه القنوات.

فإذا كانت أبوظبي تستطيع أن تؤثر في مسار الحرب، فلنتحدث معها.

وإذا كانت تستطيع أن تساعد في وقفها، فلنطلب منها ذلك.

وإذا كانت تنفي ما يُنسب إليها، فلنمنحها فرصة لتوضيح موقفها.

أما أن تستمر الحرب، وتستمر القطيعة، ويستمر تبادل الاتهامات، بينما يدفع الشعب السوداني وحده ثمن الصراع، فذلك هو الخيار الذي ينبغي أن نعيد التفكير فيه.

الدبلوماسية ليست أن تتنازل عن حقك؛ الدبلوماسية أن تعرف كيف تصل إلى حقك بأقل كلفة على وطنك.