سرديات..
“العربيد” The Hellraiser؛ كتاب قال فيه مؤلفاه؛ كلَّ ما يمكن ان ينفّر الناس؛ عمن كنت اعتبره-عن جدارة واستحقاق- افضل ممثل سينمائي؛ ولكن مع كل الذي قالاه عنه من مقذع القول؛ ظل هذا الآيرلندي ذو الطول الفارع والصوت الجهور؛ هو أيقونة الأفلام الانجليزية في نظري آنئذ بلا منازع..
كنت أتابع أفلامه السينمائية بشغف..بحضوره الآسر وصوته الجهوري على الشاشة الكبيرة؛ كان يعجبني أداؤه..كنت ألاحق أفلامه حيث كانت معروضة: سينما الخرطوم غرب، النيل الأزرق وغيرهما من دور السينما في اواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي..
وقبل بضع سنوات أصدر مؤلفان أمريكيان -هما داروين بورتر ودانفورث برينس- كتابا وصفا فيه ممثلي السينمائي الأفضل بالعربيد hellraiser..
حفر المؤلفان في حياة بيتر أو تول Peter O’Toole الخاصة ووصفاه بالعربيد المنادي بالتحرر الجنسي :
Hellraiser; Sexual Outlaw and Irish Rebel..
ومع ذلك؛ ظل هذا الممثل الانجليزي البارع؛ ذا حضور آسر على الشاشة الكبيرة..
شاهدت فيلم “لورانس العرب” أكثر من مرة؛ وكان اعجابي ببيتر أو تول Peter O’Toole كممثل بارع؛ يزداد كل مرة..
منذ نشأته في بلدة تريمادوق Tremadog في ويلز؛ كانت هوايته المفضلة؛ والتي برع فيها بشكل لافت؛ ركوب الدراجات النارية..لذلك حين اعلنت السلطات أنه توفي حين سقط من دراجته؛ عندما حاول ان يتفادى صبيين كانا يقودان دراجتين هوائيتين؛ رفع الكثير من الانجليز حاجب الدهشة؛ استنكارا لما زعمت السلطات أنه سبب مقتله…
“توماس ادوارد لورانس” المشهور ب “لورانس العرب”، عمل ضابط مخابرات بريطاني خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من أن اسمه يذكر غالبًا لمشاركته في الثورة العربية ضد الإمبراطورية العثمانية، إلا أن دوره شمل أيضًا التجسس والكثير من العمليات السرية.
لم يخف “لورانس العرب” امتعاضه واستياءه من تردد بريطانيا في الوفاء بما وعدت به العرب فور قضائهم-بمساعدة لورانس العرب-على العثمانيين الذين اذاقوا العرب مر العذاب..
لذلك بدأ “لورانس يجاهر برأيه حول بعض الأسرار الاستخباراتية والتي كان هو بطلها في الصحراء العربية؛ الأمر الذي ازعج السلطات البريطانية بقدر كبير فعملت سرا على التخلص منه؛ فكانت حادثة الدراجة النارية والتي لم تنطل كذبتها على الكثيرين من المهتمين بقضية هذا الجاسوس؛ الذي أقام دنيا العرب ولم يقعدها حتى اليوم..
الفيلم الذي شاهدته؛ والذي أدى دور البطولة فيه بيتر أو تول وعمر الشريف؛ لم يتناول بالتفصيل موت لورانس؛ مما عزز الشكوك في صحة رواية حادثة الدراجة النارية التي أرادتها السلطات البريطانية ان تكون هي سبب الوفاة..
زار لورانس العرب متنكرا العديد من الدول العربية في اطار مساعيه الاستخباراتية لاستمالة القادة العرب واقناعهم للوقوف إلى جانب بريطانيا أثناء الحرب الكونية الاولى..لم يكن السودان مستثنى من قائمة الدول العربية التي زارها الجاسوس لورانس؛ كما يقول الراحل حسن نجيلة في كتابه” ملامح من المجتمع السوداني..
اوروبي في لبوس عربي:
جلباب فوقه جاكيت وعمامة وصندل..
يتحدث الانجليزية والعربية الفصحى بطلاقة..كان مشهدا مألوفاً وهو يجوب حي ابو روف الامدرماني..يذرع الشوارع والأزقة والنفاجات جيئة وذهاباً والناس بين مستلطف لوجوده ومرتاب لأمره لخوضه بلا رقيب في الأمور السياسية والاجتماعية والدينية؛ فيبهر مستمعيه-وهم كثر-ببلاغته وسعة معارفه في شتى القضايا حتى الفقهية! يختلط بجميع شرائح المجتمع كمن يريد أن يعرف شيئا ..في المقاهي وأمام المتاجر يقحم نفسه متحدثا ومستفسرا وباحثا..
لا أحد يدري من هو وماذا يريد..
كان يحرص بشدة على ان تكون بحوزته دائما شهادة صادرة عن السلطات المغربية تؤكد اسلامه وان اسمه *صالح مؤمن*..شهادة مقنعة لمن يطلع عليها بنصيها العربي والانجليزي..
يكتفي بهذه الشهادة كدليل يثبت هويته..ويتحاشى الدخول في تفاصيل عن حياته قبل مجيئه إلى أبي روف..
أبو روف في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين؛ كانت مركز استنارة لشباب ذوي همم عالية يتطلعون إلى فجر جديد..نهلوا من المتاح من العلم وانكبوا على التثقيف الذاتي..وحين أطل عليهم *صالح مؤمن* كانوا قد بلغوا ذروة تألقهم موظفين صغارا وطلابا في كلية غردون..أبو روفيون لا يكتمون وطنيتهم ولا بغضهم للاستعمار..وسلطات الاستعمار لم تكن غافلة عن نشاطهم؛ تحصي انفاسهم غادين ورائحين..أصداء ثورة ١٩٢٤ بتجربتها المدمرة ودروسها المريرة كانت ما نزال تنداح فتحرك هؤلاء الشباب وتحرضهم على الانكباب على الكتب باحثين عن المعارف لرسم طريق الخلاص او العثور على أمل يعبر بهم ذلك الواقع الكئيب..
كتب التاريخ قالت إن سنوات ما بين الحربين الكونيتين كانت أكثر فنرات التاريخ الحديث توترا في العالم..كانت اوروبا تودع حرباً وتستقبل أخرى وتجربة الاتحاد السوفيتي بزعامة ستالين باتت حقيقة وهتلر النازي يكشر عن أنيابه..
لذلك كان لا بد لهؤلاء الشباب أن يجلسوا إلى صالح مؤمن؛ الاوروبي الغامض في لبوس عربي..فالرجل ليس بعيدا عنهم فقد استأجر بيتاً صغيرا بجوارهم في أبي روف..
يحادثهم في شتى المعارف والفلسفات خاصة في علمي الأجناس والاجتماع اللذين كان يبهر فيهما سامعيه بغزارة علمه وثقافته الواسعة..كان أولئك الشبان مبهورين بما يجدوه من علم عند هذا الرجل الغامض..فكلية غردون لم تكن تروي تعطشهم للمعارف..كانت تلقي إليهم بالفتات وتكتفي بتقديم القليل لهم بما يؤهلهم للوظائف الصغيرة..لم تكن الكلية تريدهم ثوارا مثقفين يقلقون راحتها ويفضحون طبيعة الاستعمار..
*صالح مؤمن* الاوروبي الغامض يهاجم الاستعمار في جرأة وعلانية..ولكن أنوف الشباب المتحفزة كانت تتشمم فبدأوا يتهامسون واستراب الناس في حقبقة مهمة هذا الرجل الغامض؛ وتساءلوا لِمَ تغضٌّ السلطات الطرف عنه وهي التي يزعجها ما هو اقل مما يقول الرجل؟ وهل كان يكفي ان تكلف السلطات شيخ الحارة ويدعى عبد الحكيم لكي ينقل إليها ما كان يقوله صالح مؤمن والذي كان لا يكترث بما سيؤول إليه الحال ..؟
رأت مجموعة أبي روف في صالح مؤمن جاسوسا انجليزيا مكلفا بدراسة أفكار السودانيين وتوجهاتهم؛ متنكرا في زي مستشرق مسلم قادم من المغرب..وما زاد شكوكهم ان الصحف اامصرية نقلت أنباء عن أن *لورنس العرب*؛ الجاسوس المعروف غادر المغرب في طريقه إلى الصومال فالحبشة..
لاحظ شباب أبي روف ان *صالح مؤمن* ملم بحياة العرب لا سيما البدو؛ الأمر الذي لا يتمكن منه إلا من عاش في تلك البيئة؛ لسنوات طويلة؛ وسبر أغوارها؛ واهتم بدراستها.. ولاحظوا أيضا أن الاوروبي الغامض ملم بعلم الآثار ولديه قدرة فائقة على فك طلاسم كثير من الحروف والرسومات المحفورة على الهياكل الآثارية..
وما جذب الشباب إلى الرجل الغامض بوجه خاص رغبته في تعليمهم لغة الاسبيرانتو التي يجيدها..
لغة الاسبيرانتو كانت تكتسب أهمية كبيرة لدى الطبقة المستنيرة من المجتمع آنئذ..بدا الشباب في تعلم اللغة الجديدة وحصل البعض منهم على الكتب التي تعينهم على اتقان اللغة العالمية بمساعدة صالح مؤمن..
ذاع صيت الاوروبي الغامض بين طلاب الداخليات في الكلية حين نقله إليهم عبد الرازق العتباني وعمر الريح..
اتفق عدد من الطلبة من خارج أبي روف -ومنهم حسن نجيلة-على زيارة الرجل والوقوف على حقيقة أمره..
ولكن حين وصلوا إلى بيته لم يجدوه..سألوا عنه الجيران فأبلغوهم بأنه صلى العصر معهم وعاد إلى بيته..ولما دخلوا الغرفة التي كان يقيم فيها؛ لم يجدوا فيها سوى وريقات مكتوبة بالاسبيرانتو..اختفى الرجل الغامض وترك وراءه سرا لا يزال مدفونا حتى الآن..ماذا كانت المذكرة التي كتبها بالاسبيرانتو وتركها خلفه عمدا؛ تقول؟
هل أكدت أن صالح مؤمن هو لورانس العرب؟
لا أحد يدري ..
