أزمة كاليفورنيا ومحـرقة فض الاعتصام

 زين العابدين الطيب بكتب..

لا تزال السلطات المختصة في شمال كاليفورنيا تحقق في قضية مروعة تتداولها وسائل الإعلام، بعد العثور على مقابر جماعية يُعتقد أنها تضم عشرات الضحايا، إلى جانب العثور على عدد كبير من الكلاب المقتولة بالرصاص، في مشهد أثار صدمة المحققين وخبراء الطب الشرعي، لما يحمله من دلالات على عنف بالغ وتعقيد في ملابسات الجريمة. وما تزال التحقيقات جارية لكشف الحقيقة وتحديد المسؤولين.

 

بعيدًا عن النتائج النهائية التي ستسفر عنها التحقيقات، فإن هذه القضية تفتح بابًا واسعًا للتأمل في معنى الحقوق، وقيمة الحياة، ودور مؤسسات الدولة في حماية الإنسان وسيادة القانون.

 

فاللافت في مثل هذه القضايا ليس حجم المأساة وحده، وإنما سرعة تحرك أجهزة إنفاذ القانون، وحشد خبرات الطب الشرعي، وتوظيف أحدث الوسائل العلمية من أجل كشف الحقيقة. فكل ضحية لها قيمة، وكل دليل له أهمية، وكل جريمة تستحق تحقيقًا جادًا، لأن العدالة لا تقوم على الظنون، بل على الأدلة.

 

وإذا كان مقتل عشرات الكلاب قد استدعى اهتمامًا كبيرًا من المحققين، فإن ذلك يعكس ثقافة قانونية ترى أن الاعتداء على الحيوان ليس أمرًا هامشيًا، بل مؤشر قد يقود إلى كشف جرائم أكبر، ويؤكد أن احترام الحياة يبدأ من احترام جميع الكائنات.

 

وعندما ننظر إلى السودان، تتجلى المفارقة المؤلمة بصورة أكثر إيلامًا. فبعد محرقة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019، نُقلت جثامين الضحايا إلى عدد من المستشفيات والمشارح في العاصمة الخرطوم، من بينها مستشفى التميز، والمستشفى الأكاديمي، ومشرحة مستشفى بشائر، ومشرحة مستشفى أم درمان، كما نُقلت بعض الجثامين إلى مستشفى المعلم.

 

وخلال الأشهر التي تلت المجزرة، برزت قضية مئات الجثث مجهولة الهوية داخل المشارح، مما أثار صدمة واسعة لدى الرأي العام، ودفع لجان المقاومة وأسر المفقودين إلى تنظيم اعتصامات لحراسة المشارح، خشية دفن الجثامين قبل التعرف على أصحابها أو استكمال الإجراءات العدلية، في ظل اعتقاد كثير من الأسر بأن بين تلك الجثامين مفقودين من ضحايا فض الاعتصام.

 

وزادت المأساة فداحة مع الكشف عن وجود جثامين داخل حاويات (كونتينرات) غير مبردة، الأمر الذي أدى إلى تحلل عدد منها، وألحق ضررًا بالأدلة الجنائية، وعقّد عمليات التعرف على الضحايا، وعمّق معاناة أسرهم التي كانت تبحث عن الحقيقة وعن حقها في معرفة مصير أبنائها.

 

ولم تتوقف الجريمة عند القتل الجماعي، بل امتدت إلى محاولات إخفاء الضحايا وطمس الأدلة. فقد وثقت تقارير وشهادات عديدة إلقاء عدد من ضحايا فض اعتصام القيادة العامة في مياه نهر النيل بعد ربط أجسادهم بالأحجار، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العصر الحديث. وانتُشلت جثامين من النيل، بينما ظل مصير آخرين مجهولًا، في جرح لا يزال ينزف في ذاكرة السودان، ويجسد حجم المأساة التي عاشتها أسر المفقودين والضحايا.

 

وهنا تتجسد المقارنة بوضوح. ففي الوقت الذي تتحول فيه كل جثة في الدول التي تحترم سيادة القانون إلى قضية جنائية تستنفر أجهزة التحقيق والطب الشرعي، حفاظًا على الأدلة وصونًا لكرامة الضحية، شهد السودان مشاهد مؤلمة لجثامين مجهولة الهوية، وجثامين تعرضت للتحلل بسبب سوء الحفظ، وضحايا أُلقيت أجسادهم في النيل في محاولة لإخفاء معالم الجريمة وطمس الأدلة. إنها مفارقة موجعة بين منظومة تجعل الحقيقة واجبًا لا يسقط بالتقادم، ومنظومة ما زال فيها الضحايا وأسرهم ينتظرون العدالة.

 

إن الفرق بين المجتمعات لا يُقاس بما تمتلكه من موارد أو بما حققته من تقدم اقتصادي، وإنما بمدى احترامها للقانون، وقدرتها على حماية الحقوق، وحرصها على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا. فالعدالة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما ممارسة يومية تقوم على استقلال القضاء، وكفاءة أجهزة التحقيق، واحترام الأدلة، وعدم التمييز بين الضحايا.

 

ومن المؤلم أن يعيش إنسان وهو يعلم أن حياته قد تُسلب دون تحقيق، أو أن يُدفن في مقبرة مجهولة دون أن يسأل أحد عن اسمه أو قاتله، بينما تنفق دول أخرى الوقت والجهد والموارد لكشف حقيقة كل جريمة، مهما بدت تفاصيلها صغيرة.

 

إن صيانة الحقوق هي أساس الحضارة، وإن انتهاكها هو بداية انهيار المجتمعات. وكل أمة تجعل العدالة فوق المصالح، والقانون فوق الأشخاص، والكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار، إنما تؤسس لمستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

 

ويبقى الدرس الأهم أن الإنسانية لا تتجزأ، وأن احترام الحياة لا يتوقف عند حياة الإنسان، ولا ينتهي بوفاته، بل يمتد إلى صون كرامته، وحفظ جسده، وحماية الأدلة، وإنصاف أسرته، ومحاسبة الجناة.

 

فالعدالة ليست ترفًا قانونيًا، وإنما هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المآسي، وهي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به حضارة الأمم ورقيها. وما بين قضية تُستنفَر فيها مؤسسات الدولة من أجل كشف الحقيقة، وقضية لا تزال آلاف الأسر فيها تبحث عن أبنائها، وتتساءل عن مصير مفقوديها، وتنتظر العدالة منذ سنوات، تتجسد المأساة في أوضح صورها.

 

إن الشعوب لا تُقاس بما تشيده من مبانٍ ولا بما تمتلكه من ثروات، وإنما بما تمنحه للإنسان من كرامة، وما توفره له من عدالة، وما تحفظه له من حق في الحياة والحقيقة. فحين تُصان الحقوق تُصان الأوطان، وحين تُهدر الكرامة الإنسانية يصبح الصمت شريكًا في الجريمة، ويغدو البحث عن العدالة واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يسقط بالتقادم.