من الشرق السوداني إلى القاهرة.. “حكايات زوربا السوداني” تروي سيرة الإنسان الذي هزم الحرب بالحكاية

في زمنٍ تتكاثر فيه أخبار الحرب حتى تكاد تطغى على كل شيء، يخرج الأدب أحياناً من بين الأنقاض ليؤكد أن الإنسان لا يعيش بالنجاة وحدها، بل بالحكاية أيضاً. ومن هذه الفكرة تنطلق المجموعة السردية “حكايات زوربا السوداني” للكاتب السوداني إبراهيم عابدين، التي دُشنت في المنتدى الثقافي بمركز فيجن للتدريب والتنمية المستدامة بالقاهرة، في أمسية جمعت الأدباء والنقاد والمثقفين حول سؤال واحد: كيف يمكن للأدب أن ينقذ الذاكرة حين تعجز السياسة عن إنقاذ الإنسان؟

لم يكن التدشين مجرد احتفاء بإصدار جديد، بل بدا وكأنه احتفال بقدرة الأدب السوداني على الاستمرار رغم سنوات الحرب والنزوح والتشظي، حيث تحولت القاهرة إلى مساحة يلتقي فيها الكتّاب والقراء لإعادة بناء الجغرافيا المفقودة بالكلمات.

زوربا… لكنه سوداني هذه المرة

يستعير إبراهيم عابدين اسم “زوربا” بما يحمله من دلالات فلسفية وإنسانية، لكنه يعيد تشكيل الشخصية داخل البيئة السودانية، لتصبح رمزاً لإنسان بسيط يحمل أعباء الحياة اليومية، ويقاوم الفقر والحرب والنزوح بالأمل والإصرار أكثر من مقاومته بالسلاح.

في هذا العمل، لا يبدو “زوربا السوداني” بطلاً خارقاً، بل مواطناً عادياً يسير فوق أرض مثقلة بالخسارات، لكنه يرفض الاستسلام، ويواصل البحث عن الحرية باعتبارها حقاً إنسانياً لا شعاراً سياسياً.

أدب ينتصر للذاكرة

صدر الكتاب ضمن مشروع “مندي: بساتين المعرفة” بالشراكة مع دار المصورات للنشر، في إطار مشروع يسعى إلى تقديم نصوص سودانية تعكس التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها، وتوثق التحولات الاجتماعية والتاريخية التي يعيشها السودان.

وتقوم فلسفة العمل على أن السرد ليس مجرد متعة جمالية، بل وثيقة تحفظ تفاصيل الحياة التي قد تضيع وسط ضجيج الأخبار اليومية، لذلك يختار المؤلف كتابة مكثفة لا تتجاوز مائتي صفحة، لكنها تترك أثراً يتجاوز حجمها بكثير.

الكتاب ينتمي إلى فئة الأعمال السردية القصيرة التي يمكن قراءتها في جلسة واحدة، غير أن تأثيرها يمتد طويلاً، لأنها تطرح أسئلة عن العدالة والحرية والكرامة والنجاة أكثر مما تقدم إجابات جاهزة.

الحرب في الخلفية… والإنسان في الواجهة

رغم أن الحرب السودانية تظل حاضرة في خلفية النص، فإن إبراهيم عابدين لا يجعلها بطلة الرواية، بل يمنح البطولة للإنسان الذي يحاول أن يعيش رغم كل شيء.

وتتشابك في العمل موضوعات الفقر والنزوح والصراعات التاريخية التي عرفها شرق السودان، لتشكل خلفية لسرد يركز على الفرد، وعلى قدرته في مقاومة القهر بالحلم، والعنف بالحياة، والخراب بالذاكرة.

إنها كتابة ترى أن التمرد ليس فعلاً رومانسياً، بل استجابة طبيعية لواقع يفرض على الإنسان أن يختار بين الاستسلام أو البحث عن طريق آخر نحو الكرامة.

القاهرة تستضيف ذاكرة السودان

شهد المنتدى الثقافي بمركز فيجن حضوراً لافتاً من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي السوداني، حيث تحدث في الندوة نادر السماني، وأماني محمد صالح، وأشرف عويس، وسمر سيد أحمد، مقدمين قراءات مختلفة للعمل من زواياه السردية والإنسانية.

كما شارك في النقاش كل من د. أشراقة مصطفى ود. بشرى الفاضل، إلى جانب عدد من المثقفين والمهتمين بالرواية السودانية، في حوار تناول دور الأدب في توثيق الذاكرة الجماعية خلال فترات الصراع.

وأضفى الفنان أنس ورددي والفنان الشاب أزرق ضو البيت أجواءً فنية على الأمسية، حيث قدما فواصل غنائية منحت الحفل بعداً وجدانياً ينسجم مع روح الكتاب، مؤكدة أن الثقافة السودانية لا تزال قادرة على إنتاج الجمال حتى في أصعب الظروف.

الأدب بوصفه شهادة على الزمن

لا يقدم “حكايات زوربا السوداني” بطلاً ينتصر على الحرب، بل إنساناً يصر على أن يحتفظ بإنسانيته رغمها.

وربما تكمن قيمة هذا العمل في أنه لا يكتب عن السودان بوصفه ساحة للصراع، بل بوصفه فضاءً للذاكرة والناس والحكايات، حيث تتحول القصص إلى محاولة لاستعادة ما فقدته المدن، وما خسرته العائلات، وما تحاول الأجيال الجديدة أن تتذكره قبل أن يبتلعه النسيان.

وبذلك يضيف إبراهيم عابدين لبنة جديدة في مسار الأدب السوداني المعاصر، مقدماً نصاً يراهن على أن الحكاية، مهما بدت صغيرة، قد تكون آخر ما يحفظ الوطن داخل قلوب أبنائه.