هل تعود “مجزرة الصالح العام”؟.. وتعيد أشباح الإنقاذ!

في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي، تبدو أي خطوة تمس الوظيفة العامة أكثر من مجرد إجراء إداري أو مالي. لذلك أثارت الوثائق التي كشفت عن توصية بإنهاء خدمة نحو 63 ألف موظف حكومي في السودان عاصفة من التساؤلات السياسية والاقتصادية، ليس فقط بسبب حجم الرقم، وإنما أيضاً بسبب الذاكرة السودانية المثقلة بتجربة مماثلة لا تزال جراحها مفتوحة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

فالخطة المقترحة، التي تستهدف نحو 60% من العاملين في مؤسسات الدولة الاتحادية، أعادت إلى الأذهان مباشرة سنوات التمكين الأولى لنظام الإنقاذ، حين استخدم قانون “الصالح العام” لإعادة تشكيل الخدمة المدنية على أسس سياسية وأيديولوجية، في واحدة من أكبر عمليات الإقصاء الوظيفي في تاريخ السودان الحديث.

ذاكرة لا تزال حية

عندما استولت الجبهة الإسلامية القومية على السلطة بانقلاب 1989، لم تكتف بالسيطرة على المؤسسات السياسية والعسكرية، بل شرعت في إعادة هندسة الجهاز الإداري للدولة.

تحت لافتات مختلفة مثل “الصالح العام” و”إعادة الهيكلة” و”فائض العمالة”، تم فصل عشرات الآلاف من الموظفين والمهنيين والخبراء. وتشير تقديرات متداولة إلى أن نحو 80 ألف موظف مدني فقدوا وظائفهم خلال السنوات الأولى من حكم الإنقاذ.

كانت النتيجة واضحة: خروج الكفاءات، وهجرة الخبرات، وتراجع المهنية داخل مؤسسات الدولة، بينما تمددت شبكات الولاء السياسي في مواقع القرار والإدارة.

ولم تكن الخسارة إنسانية فقط، بل مؤسسية أيضاً. فالدولة التي فقدت خبراتها المتراكمة احتاجت سنوات طويلة لتعويض جزء من ذلك النزيف، بينما بقيت آثار التمكين حاضرة في ضعف الإدارة العامة وتراجع كفاءة المؤسسات حتى بعد سقوط النظام.

ما الذي يثير القلق اليوم؟

تقول الوثائق إن التقليص المقترح يستند إلى دوافع مالية وإدارية، وإنه سيتم عبر المعاش الاختياري وإلغاء الوظائف.

لكن ما يثير المخاوف هو غياب المعايير المعلنة لاختيار المستهدفين، وعدم وجود آليات واضحة للطعن والاستئناف، فضلاً عن التناقضات الرقمية داخل التقرير نفسه.

فبينما تتحدث التوصية الأساسية عن إنهاء خدمة 63,833 موظفاً، تشير تفاصيل أخرى إلى إحالة أكثر من 28 ألف موظف للمعاش الاختياري وإنهاء خدمة نحو 59 ألفاً عبر إلغاء الوظائف، وهو ما يتجاوز 87 ألف موظف.

هذه الفجوات الرقمية والإجرائية تعزز المخاوف من أن تتحول العملية إلى قرار سياسي أكثر من كونها إصلاحاً مؤسسياً مدروساً.

اقتصاد لا يحتمل صدمة جديدة

اقتصادياً، تأتي الخطة في توقيت بالغ الحساسية.

فالسودان يعيش بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. ملايين المواطنين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب، وانهارت قطاعات الإنتاج، وتراجعت الإيرادات العامة، بينما يواجه الموظفون الحكوميون أنفسهم ضغوطاً معيشية غير مسبوقة.

وفي مثل هذه الظروف، فإن إخراج عشرات الآلاف من العاملين من سوق العمل دفعة واحدة قد يؤدي إلى آثار عكسية تتجاوز ما تأمله الحكومة من خفض للإنفاق.

فكل موظف حكومي لا يمثل راتباً فقط، بل يعيل أسرة ممتدة في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على شبكات الدعم العائلي. ومع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، قد يؤدي فقدان هذا العدد الضخم من الوظائف إلى توسيع دائرة الهشاشة الاجتماعية وزيادة الضغوط على المجتمعات المحلية.

كما أن تكلفة إنهاء الخدمة نفسها، المقدرة بنحو 396 مليار جنيه سوداني، تطرح سؤالاً جوهرياً: هل تحقق الدولة وفورات مالية حقيقية أم أنها تنقل العبء من بند الرواتب إلى بند التعويضات والاستحقاقات؟

بين الإصلاح والتمكين الجديد

لا خلاف على أن الخدمة المدنية السودانية تحتاج إلى إصلاح شامل بعد سنوات من الترهل والازدواج الوظيفي والتشوهات التي خلفتها عقود من التسييس.

لكن التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن الإصلاح المؤسسي لا يبدأ بالفصل الجماعي، وإنما ببناء نظم شفافة للتقييم والمحاسبة وإعادة التدريب وتحسين الكفاءة.

ولهذا يخشى كثيرون أن تتحول عملية التقليص الواسعة، في غياب الشفافية والمعايير المعلنة، إلى نسخة جديدة من سياسات الإقصاء التي عرفها السودان سابقاً، حتى وإن اختلفت الشعارات والمبررات.

فالخدمة المدنية ليست مجرد أرقام في موازنة الدولة، بل هي الذاكرة المؤسسية للدولة نفسها. وكل عملية اجتثاث واسعة لها ثمن طويل الأجل قد لا يظهر فوراً في دفاتر الحسابات، لكنه يظهر لاحقاً في ضعف المؤسسات وتراجع الخدمات وفقدان الثقة العامة.

السؤال الذي يواجه حكومة بورتسودان

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحكومة تحتاج إلى إصلاح الجهاز الإداري، بل كيف ستقوم بذلك.

هل سيكون التقليص جزءاً من برنامج إصلاح معلن وشفاف يخضع للرقابة ويستند إلى الكفاءة والاحتياج الفعلي؟ أم أنه سيفتح الباب أمام دورة جديدة من الاستبعاد الوظيفي وإعادة تشكيل الدولة وفق اعتبارات غير معلنة؟

هذا هو السؤال الذي يراقبه السودانيون اليوم، وهم يستحضرون تجربة التسعينيات بكل ما حملته من آلام وخسائر، ويخشون أن تعود البلاد إلى نقطة ظن كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.

ففي السودان، لا تُقاس خطورة قرارات الفصل الجماعي بعدد الوظائف المفقودة فقط، بل بقدرتها على إعادة إنتاج أخطاء تاريخية دفعت الدولة والمجتمع ثمنها لعقود طويلة.