“شربنا مياهاً فيها ديدان”.. من الدمازين إلى تشاد.. الحرب تطارد أطفال السودان بالجوع والحرمان

الخرطوم/ الغد السوداني – “كنا نشرب مياهاً فيها ديدان، ولم يكن أمامنا خيار آخر للبقاء على قيد الحياة”.

بهذه العبارة الموجعة تختصر مشاعر أحمد رحلة الهروب التي قادتها مع أطفالها الثمانية من مدينة الكرمك إلى الدمازين في إقليم النيل الأزرق، لتتحول قصتها إلى واحدة من آلاف الحكايات التي تكشف الثمن الإنساني الباهظ للحرب المستمرة في السودان.

داخل مخيمات النزوح بالدمازين، تتشابه الخيام كما تتشابه المآسي. أمهات يحملن آثار الفقد والجوع والنزوح، وأطفال ينامون على ذكريات القصف أكثر مما ينامون على وسائد الأمان. هنا لا تبدو الحرب مجرد أخبار عن المعارك، بل واقعاً يومياً محفوراً في الوجوه المنهكة والأجساد التي أنهكها الجوع والخوف.

تقول مشاعر إن عائلتها احتمت لثلاثة أيام داخل كهوف صخرية في الجبال بعد هجمات مسلحة أودت بحياة زوجها وأدت إلى اختفاء ابنها الأكبر. وخلال رحلة الفرار، اضطرت الأسرة إلى شرب مياه ملوثة من حفر صخرية، بينما أصيب الأطفال بالحمى والإعياء قبل الوصول إلى مخيمات النزوح.

وفي خيمة مجاورة، تستعيد آمنة حسين ذكريات رحلة أخرى لا تقل قسوة. سارت الأم الحامل يومين كاملين على الأقدام مع أطفالها الستة هرباً من هجمات عنيفة استهدفت منطقتها. تقول إن بعض أطفالها كانوا يسقطون من شدة الجوع والتعب ثم ينهضون لمواصلة السير، فيما لا تزال أسرتها تعاني نقص الغذاء والرعاية الصحية بعد وصولها إلى الدمازين.

وتشير تقارير إنسانية وإعلامية إلى أن آلاف النازحين في النيل الأزرق يواجهون أوضاعاً معيشية متدهورة بسبب شح الغذاء والدواء ومياه الشرب، مع تزايد المخاوف من انتشار الأمراض خلال موسم الأمطار.

لكن المأساة السودانية لا تتوقف عند حدود النزوح الداخلي. فعلى بعد مئات الكيلومترات، في مخيم أردمي للاجئين شرقي تشاد، يحاول آلاف الأطفال مقاومة آثار الحرب بطريقة مختلفة؛ بالتمسك بالتعليم.

هناك، يجلس التلاميذ على الرمال داخل فصول شُيدت من القش والخيش بأيدي اللاجئين أنفسهم. لا توجد مقاعد أو سبورات، ويكتب الأطفال دروسهم بالفحم على ألواح من الكرتون، بينما تتسلل الرياح والغبار عبر جدران الفصول الهشة.

ورغم قسوة الظروف، يرفض الأهالي الاستسلام. فقد تحولت بقايا القش والأخشاب إلى مدارس مؤقتة، في محاولة لحماية الأطفال من ضياع مستقبلهم بعد أن دمرت الحرب منازلهم ومدارسهم الأصلية.

وتحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن أكثر من 8 ملايين طفل سوداني حُرموا من التعليم منذ اندلاع الحرب، فيما أغلقت آلاف المدارس أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي يهدد بخسارة جيل كامل لفرص التعلم.

وفي مخيم أردمي، لا تزال الطفلة مريم، البالغة 11 عاماً، تحلم بأن تصبح طبيبة لمعالجة جرحى الحرب، بينما يتطلع صديقها يوسف إلى أن يصبح مهندساً يعيد بناء المنزل الذي دمرته القذائف.

بين خيام الدمازين المثقلة بالخوف، وفصول القش في مخيمات تشاد، تتجسد صورة السودان اليوم؛ أمهات يكافحن من أجل البقاء، وأطفال يتمسكون بأحلامهم رغم الحرب والجوع والنزوح. وبينما تتزايد التحذيرات الدولية من اتساع الكارثة الإنسانية، يبقى السؤال معلقاً، كم من الوقت يستطيع هذا الجيل مواصلة مقاومة الحرب بالأمل وحده؟