
خبير قانوني: مسؤولون بالدولة قد يواجهون 3 دعاوى جنائية بسبب قضية “مربع السيسي”
تقرير، الغد السوداني – ما تزال إجراءات تسليم مربع “السيسي للتعدين” بالولاية الشمالية إلى مجلس إدارة شركة عبد الوهاب السيسي للتعدين تراوح مكانها، رغم اكتمال الجوانب القانونية والفنية وصدور توجيهات رسمية من وزارة المعادن بتسليم الموقع،
وتشير الوثائق الرسمية إلى أن المربع يخضع لإشراف وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية منذ عام 2014، وكانت مساحته الأصلية 500 كيلومتر مربع، قبل أن تُخفض إلى 128 كيلومتراً مربعاً عقب الدراسات الجيولوجية والفنية، بينما أُعيدت المساحات المتبقية إلى وزارة المعادن وفقاً للعقد المبرم.
شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص
وتعود ملكية المساحة الحالية إلى شركة عبد الوهاب السيسي بموجب اتفاقية شراكة بين وزارة المعادن والشركة. وخضع المشروع لتحقيقات استمرت نحو عامين، انتهت برفع الحظر عن الشركة وعن أسهم وزارة المعادن فيها، وعقب ذلك، تم تشكيل مجلس إدارة جديد لشركة “كارولين” برئاسة ممثل وزارة المعادن وعضوية ممثلين للوزارة وشركة عبد الوهاب السيسي، تمهيداً لاستئناف النشاط بالمربع.
مخاطبات متتالية دون تسليم
وباشر مجلس الإدارة الجديد إجراءات استلام الموقع، حيث خاطب الشركة السودانية للموارد المعدنية لاستئناف العمل وتسلم المربع من المؤسسة التعاونية الوطنية التابعة للقوات المسلحة التي تديره حالياً، وبحسب المستندات، فقد رفضت المؤسسة التعاونية التسليم مباشرة، واشترطت أن يتم الأمر عبر عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر إبراهيم. وعلى إثر ذلك رفعت الشركة السودانية للموارد المعدنية الأمر إلى وزير المعادن نور الدائم طه، الذي خاطب بدوره الفريق إبراهيم جابر لاتخاذ ما يلزم بشأن التسليم.
اكتمال الإجراءات وتوقف التنفيذ
وأكد بروفيسور عبد الوهاب السيسي اكتمال جميع الإجراءات القانونية، بدءاً من قرار النيابة العامة برفع الحظر، مروراً بمخاطبة الجهات المختصة، بما فيها الأجهزة الأمنية والرقابية والإدارات القانونية، منوهاً إلى وجود خطاب وزير المعادن الخاص بالتسليم في منضدة مدير مكتب الفريق إبراهيم جابر العميد عماد، مشيراً إلى أن كافة المستندات القانونية والفنية والمالية متوافرة لدى وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية ومجلس إدارة الشركة والجهات الحكومية ذات الصلة.
مخالفات جنائية ورفع الحصانة
واعتبر وكيل وزارة العدل السابق مولانا عبد الدائم زمراوي أن عدم تنفيذ قرار النيابة العامة يثير تساؤلات قانونية كبيرة، مؤكداً أن قرارات النيابة واجبة التنفيذ، وأن أي جهة تمتنع عن تنفيذها قد تواجه مسؤولية قانونية، وأشار إلى أن الشركة المتضررة تملك الحق في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن الأضرار والخسائر التي لحقت بها طوال فترة عدم تنفيذ القرار، مبيناً أن استمرار أي جهة في العمل داخل الموقع أو البقاء فيه بعد صدور قرار الإخلاء قد يفتح الباب أمام دعاوى جنائية تتعلق بمخالفة القانون والتعدي على حقوق الغير، فضلاً عن دعاوى مدنية للمطالبة بالتعويض، وفيما يتعلق بالحصانات، أوضح زمراوي أن الحصانة ليست مطلقة، وأن القانون وضع إجراءات محددة لرفعها متى ما استدعت الضرورة ذلك، مؤكداً أن العدالة قد تتأخر لكنها تظل ماضية في طريقها، وختم بقوله: “ليل الظلم قصير”.
دلالات التأخير
ويرى مختصون أن استمرار تعثر التسليم يحمل عدة دلالات مهمة أبرزها.
البُعد القانوني والإداري:
تكشف القضية عن فجوة واضحة بين اكتمال الإجراءات القانونية وتنفيذها على أرض الواقع، بما يعكس تداخلاً في الصلاحيات بين الجهات المختلفة المعنية بالملف.
البعد الاستثماري:
يبعث تأخير تسليم مشروع مكتمل الإجراءات برسائل سلبية للمستثمرين في قطاع التعدين، خاصة أن المشروع يمثل شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الوطني إلى تعظيم عائدات الذهب.
البعد المؤسسي:
يعكس تعدد الجهات المتدخلة في الملف تعقيدات حوكمة قطاع التعدين، ويطرح تساؤلات حول آليات تنفيذ قرارات الجهات المختصة وقدرتها على فرض سلطتها الإدارية.
البعد الاقتصادي:
رغم تقليص مساحة المربع من 500 إلى 128 كيلومتراً مربعاً وفق أسس علمية وفنية، فإن استمرار توقف النشاط بالموقع يعني تجميد مورد إنتاجي مهم كان يمكن أن يرفد الخزينة العامة بعائدات إضافية من قطاع يمثل أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي في السودان.
إن قضية مربع “السيسي للتعدين” تمثل اختباراً عملياً لقدرة الدولة على إنفاذ قرارات مؤسساتها وسيادة حكم القانون، فالحسم السريع للملف من شأنه تعزيز الثقة في بيئة الاستثمار وترسيخ هيبة الدولة، بينما يفتح استمرار التعثر الباب واسعاً أمام مزيد من الجدل القانوني والإداري حول أحد أهم المشروعات التعدينية بالولاية الشمالية.
