الركود التضخمي يرفع أسعار الغذاء في الخرطوم
الخرطوم ،الغد السوداني- تواجه الأسواق الاستهلاكية في العاصمة السودانية الخرطوم موجة جديدة من الارتفاعات السعرية غير المسبوقة، والتي طالت السلع والمنتجات الغذائية الأساسية من خضروات ولحوم بمختلف أنواعها. ويعكس هذا التصاعد الحاد في الأسعار عمق الأزمة الهيكلية والتشغيلية التي يمر بها القطاع التجاري، في ظل تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية، والارتفاع الجنوني في تكاليف الإنتاج والمدخلات اللوجستية، فضلاً عن أزمات الطاقة والنقل التي ألقت بظلالها الثقيلة على حركة تدفق السلع من مناطق الإنتاج الريفية إلى مراكز الاستهلاك الحضرية. وفي هذا السياق، تكشف المؤشرات الميدانية عن تحولات حادة في أنماط الاستهلاك اليومي للمواطنين، الذين باتوا يواجهون صعوبات بالغة في تدبير احتياجاتهم الغذائية الأساسية وسط فجوة متسعة بين الدخول والأسعار.
بورصة الخضروات
أظهرت جولة ميدانية استقصائية أجريت في السوق المركزي بالخرطوم قفزات قياسية في أسعار المنتجات الزراعية والخضروات الأساسية، حيث تحولت السلع التي كانت تصنف بالأمس القريب على أنها سلع شعبية ميسورة التكلفة إلى عبء مالي ثقيل على كاهل الأسر. وفي هذا الصدد، أوضح التاجر بالسوق المركزي، علي التجاني أبكر، أن مستويات الأسعار الحالية مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكلفة النقل الداخلي وشح بعض الأصناف الموسمية، مبيناً أن سعر “ربطة” البصل الأخضر سجل مستويات تتراوح ما بين 7 آلاف إلى 8 آلاف جنيه سوداني، في حين قفز سعر “ربطة” الجزر ليترواح ما بين 10 آلاف إلى 12 ألف جنيه، مما يشير إلى زيادة حادة مقارنة بالأسابيع الماضية.
وأضاف أبكر أن المحاصيل الحقلية الأخرى شهدت بدورها طفرات سعرية مماثلة؛ إذ يتراوح سعر كيس “الفلفلية الخضراء” حالياً ما بين 17 ألفاً إلى 20 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جوال “الشطة الخضراء” بالجملة 180 ألف جنيه، في وقت يباع فيه الكيس التجاري الصغير منها بأسعار تتراوح ما بين 15 ألفاً إلى 20 ألف جنيه. ولم تكن محاصيل الخيار والقرع بمعزل عن هذه الموجة، حيث سجل كيس الخيار مستويات تتراوح ما بين 25 ألفاً إلى 30 ألف جنيه، فيما تراوح سعر الحبة الواحدة من محصول “القرع” ما بين 7 آلاف إلى 10 آلاف جنيه بحسب الحجم والجودة، وبلغ سعر “كوم” الباذنجان 22 ألف جنيه، وتراوح “كوم” البامبي بين 2000 إلى 3000 جنيه، في حين سجلت “ربطة” الجرجير مستويات قياسية تباينت ما بين 4000 إلى 5000 جنيه سوداني.
تصدر المشهد
من جانبه، أكد التاجر محمد عمر أن السلع الاستراتيجية الأكثر استهلاكاً في المطبخ السوداني باتت تخضع لتقلبات يومية حادة تفوق القدرة التوقعية للمستهلكين والتجار على حد سواء، مشيراً إلى أن جوال البطاطس سجل رقماً قياسياً جديداً ببلوغه 210 آلاف جنيه، وهو ما أجبر صغار التجار على بيع الكيلو الواحد بـ 5000 جنيه لتغطية هوامش الربح وتكاليف النقل. وأضاف عمر أن “ربع” البصل الاستراتيجي استقر عند مستويات مرتفعة بلغت 9 آلاف جنيه، وهو ما يمثل ضغطاً إضافياً على القوة الشرائية اليومية.
وفيما يتعلق بالخضروات الورقية والتقليدية التي تعتمد عليها الأسر بشكل يومي كبدائل غذائية، أشار عمر إلى أن سعر “ربطة الخُضرة” (الملوخية) قفز إلى 22 ألف جنيه، في حين استقر سعر “ربطة الرجلة” عند 10 آلاف جنيه. وعزا التجار هذه الارتفاعات الملحوظة في قطاع الورقيات إلى التلف السريع الذي يتعرض له المنتج نتيجة لارتفاع درجات الحرارة، وشح مياه الري في المزارع القريبة من العاصمة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار العمالة الزراعية وتكاليف التعبئة والترحيل من المزارع إلى مراكز التوزيع الرئيسية.
جنون الأسعار
في قطاع اللحوم الحمراء، سجلت الأسواق مستويات تضخمية غير مسبوقة وضعت هذه السلع الحيوية خارج متناول الغالبية العظمى من المواطنين. وفي تحليل ميداني للأزمة، كشف الجزار حجو سر الختم عن حقائق صادمة تحيط بآليات تسعير اللحوم في الوقت الراهن، حيث أعلن أن سعر كيلو لحم الضأن قفز رسمياً ليتراوح عند حدود 60 ألف جنيه، في حين استقر سعر كيلو اللحم “العجالي” (البقري) عند 32 ألف جنيه، مما أدى إلى ركود حاد في حركة البيع والشراء داخل محلات الجزارة.
وأرجع سر الختم هذا التصاعد المخيف في الأسعار إلى جملة من العوامل التشغيلية المركبة التي يتحملها الجزار والتاجر النهائي؛ يأتي في مقدمتها الارتفاع الحاد في أسعار الماشية والأبقار في أسواق الماشية الرئيسية (الزرايب)، حيث تراوحت أسعار العجول الحية ما بين 9 إلى 10 مليارات جنيه للرأس الواحد. وإلى جانب التكلفة الأساسية للشراء، أضاف سر الختم أن هناك تكاليف تشغيلية يومية باهظة تساهم في رفع السعر النهائي للكيلو، مثل الارتفاع الحاد في أسعار الثلج الضروري لحفظ اللحوم في ظل تذبذب الإمداد الكهربائي، فضلاً عن التصاعد المستمر في قيم إيجارات المحال التجارية، ورسوم النفايات المحلية، والجبايات والرسوم المفروضة على عمليات نقل المواشي بين الولايات.
ضغوط البدائل
لم يسلم قطاع اللحوم البيضاء والبيض، والذي يمثل الملاذ والبديل الأخير للأسر السودانية هرباً من أسعار اللحوم الحمراء، من موجة الغلاء؛ إذ شهدت الأسعار ارتفاعاً طفيفاً وضغوطاً تضخمية متصاعدة. وأظهرت الجولة الميدانية أن سعر كيلو الفراخ (الدجاج المستزرع) تراوح ما بين 18 ألفاً إلى 20 ألف جنيه، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع نتيجة لزيادة تكاليف الأعلاف المركزة، وأزمات الطاقة التي تواجه المزارع والشركات المنتجة لاسيما في عمليات التبريد والتدفئة للمداجن.
وفي السياق ذاته، واصل طبق البيض رحلة الصعود ليبلغ سعره في المحلات التجارية 22 ألف جنيه، وهو ما يمثل عبئاً اقتصادياً جديداً على الأسر التي تعتمد عليه كعنصر أساسي في وجبات الإفطار والعشاء للأطفال. ويعزو خبراء الأسواق هذه الزيادات في قطاع الدواجن والبيض إلى خروج عدد كبير من المنتجين والصغار من دائرة الإنتاج بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف التشغيل المرتفعة، مما أدى إلى تراجع المعروض الكلي مقابل حجم الطلب المستقر في الأسواق الحضرية.
آفاق مستقبلية
يرسم المشهد الحالي في أسواق الخرطوم ملامح حالة معقدة من “الركود التضخمي”، حيث تتزامن الأسعار الفلكية والقياسية للسلع مع تراجع حاد وملموس في حركة الإقبال والشراء من قبل المواطنين، أن استمرار هذه القفزات في أسعار الخضروات واللحوم دون تدخلات حكومية لضبط تكاليف الإنتاج، وتوفير بدائل طاقة رخيصة للمزارعين والجزارين، وإعادة النظر في منظومة الرسوم والجبايات المحلية، سيؤدي حتماً إلى مزيد من الانغلاق الاقتصادي وتعميق أزمة الأمن الغذائي للأسر؛ مما يتطلب حلولاً عاجلة تتجاوز المسكنات المؤقتة نحو دعم حقيقي لسلاسل الإمداد والإنتاج بجميع مستوياتها.
