
من الأرصفة إلى الجبهات.. تحقيق يكشف كيف تحوّل أطفال الشوارع في السودان إلى وقود لحرب لا تنتهي
“لا يوجد التزام… هناك تجنيد قسري واعتداءات جسدية”، بهذه الكلمات المختصرة يلخص المتطوع بغرفة جنوب الحزام، الحارث عبد الرحمن، واقع أطفال الشوارع في السودان خلال الحرب، في إفادة لـ«الغد السوداني»، مضيفاً أن “التقصير الدولي كبير، ولا توجد خطة واضحة لحمايتهم”.
في السياق ذاته، تحذر المحامية والخبيرة القانونية نون كشكوش من أن “أطراف النزاع غير ملتزمة باتفاقيات حماية الطفل، ويتم استغلال الأطفال لأنهم أقل كلفة اقتصادية في الحرب”، بينما ترى الناشطة منى بله أن ما يحدث اليوم هو “امتداد لفشل تاريخي في التعامل مع الظاهرة، لكن الحرب حولتها إلى كارثة مفتوحة”.
هذه الشهادات لا تمثل مجرد آراء، بل تعكس ملامح أزمة مركبة تتقاطع فيها الحرب مع الفقر والانهيار المؤسسي، لتدفع بآلاف الأطفال — خاصة “الشماسة” — إلى قلب واحدة من أعنف الحروب في المنطقة.
الفصل الأول: فئة خارج الدولة… وخارج الحسابات
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، دخلت البلاد في مرحلة انهيار شامل لمؤسسات الدولة، بما في ذلك منظومات الحماية الاجتماعية التي كانت أصلاً هشة.
في هذا السياق، برزت فئة “الشماسة” — أطفال الشوارع — كأكثر الفئات تضرراً، إذ وجدوا أنفسهم بلا حماية قانونية، ولا مظلة اجتماعية، ولا حتى اعتراف رسمي بوجودهم. مصطلح “الشماسة”، الذي يعني حرفياً “أطفال الشمس”، يحمل مفارقة قاسية؛ فهؤلاء الأطفال يعيشون تحت الشمس فعلاً، لكنهم في واقع مظلم من الإقصاء والعنف.
تاريخياً، تعود الظاهرة إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين سجلت أول دراسة رسمية عام 1982 نحو 12 ألف طفل مشرد في السودان، معظمهم في العاصمة الخرطوم. لكن الأرقام تضاعفت لاحقاً، لتصل إلى نحو 35 ألفاً في 2001، قبل أن تُصنّف رسمياً كـ“مشكلة اجتماعية” في 2006.
اليوم، ومع الحرب، تشير تقديرات ميدانية إلى وجود أكثر من 20 ألف طفل شارع في الخرطوم وحدها، مع أعداد غير دقيقة في بقية الولايات.
الفصل الثاني: الحرب… مصنع التشرد
الحرب لم تخلق ظاهرة “الشماسة”، لكنها أعادت إنتاجها بشكل أكثر عنفاً واتساعاً. وفق بيانات ميدانية، تم تهجير أكثر من 7 ملايين طفل منذ اندلاع النزاع، بينما فقد آلاف آخرون أسرهم نتيجة القصف أو التهجير القسري.
تقول نون كشكوش لـ«الغد السوداني»: “الحرب واحدة من الأسباب الأساسية لارتفاع نسبة التشرد، لأن الأطفال يفقدون ذويهم أو ينفصلون عنهم خلال النزوح، ولا توجد آليات لحمايتهم أو تتبعهم”. في ظل هذا الواقع، يتحول الشارع إلى الملاذ الوحيد، لكنه أيضاً بوابة مفتوحة لكل أشكال الاستغلال.
الفصل الثالث: من الأرصفة إلى البنادق
“السلاح والراتب الشهري يمثلان عامل جذب قوي”، بهذه العبارة يختصر عاملون اجتماعيون أحد أخطر تحولات الظاهرة.
مصادر ميدانية أكدت لـ«الغد السوداني» مشاركة أطفال شوارع في القتال، مشيرة إلى مجموعات مثل “أسود الجبال” التي خاضت معارك في جنوب الخرطوم، يرجح أنها تضم مجموعة من “الشماسة”. هذه الشهادات تتقاطع مع تقارير دولية تحدثت عن تجنيد أطفال دون سن 14 عاماً، بعضهم شارك في عمليات قتالية ونهب.
توضح نون كشكوش أن الأطفال يُستخدمون في مهام متعددة: القتال المباشر وحمل الأسلحة، نقل معدات عسكرية مرتبطة بالطائرات المسيّرة، وتقديم خدمات لوجستية للمقاتلين. وتضيف: “هناك أطفال يُحاكمون حالياً بسبب مشاركتهم في القتال، رغم أنهم جُندوا تحت التهديد”.
الفصل الرابع: اقتصاد الحرب… حين يصبح الطفل “أرخص مقاتل”
في اقتصاد منهار، تصبح الحرب سوقاً مفتوحة، ويصبح الأطفال أحد مواردها. تقول كشكوش: “الأطفال أقل كلفة اقتصادية للقوات المتحاربة، لذلك يتم استغلالهم بشكل واسع”.
من جهتها، تشير منى بله إلى أن العامل الاقتصادي يلعب دوراً حاسماً: “بعض الأطفال لديهم أسر، ويعملون في الشارع لإعالتها، لكن ظروف الاستغلال تدفعهم للانخراط في التجنيد، لأنه يوفر دخلاً وشعوراً بالانتماء”. هذا “الانتماء” — كما تصفه — زائف، لكنه في غياب البدائل يصبح خياراً واقعياً.
الفصل الخامس: التعليم المنهار… بوابة إلى الحرب
قبل الحرب، كان التعليم في السودان يعاني من أزمات مزمنة: ضعف التمويل، غياب المجانية، وتردي البنية التحتية. لكن الحرب دفعت النظام التعليمي إلى حافة الانهيار الكامل. تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون طفل خارج المدارس اليوم.
منى بله، عضو لجنة المعلمين السودانيين وحملة القلم بدل البندقية ضد تجنيد وتسليح الاطفال فى السودان تقول: “التعليم لم يكن أولوية تاريخياً، حيث لم تتجاوز ميزانيته 2% من الإنفاق العام، مقابل إنفاق ضخم على المؤسسات العسكرية”.
غياب التعليم لا يعني فقط فقدان المعرفة، بل فقدان الحماية أيضاً. فالمدرسة — في كثير من الحالات — كانت تمثل الحاجز الأخير بين الطفل والشارع.
الفصل السادس: المخدرات… الهروب إلى الهاوية
بالتوازي مع الحرب، تشهد المدن السودانية انتشاراً واسعاً للمخدرات، في ظل غياب الرقابة.
بالنسبة لأطفال الشوارع، تصبح المخدرات وسيلة للهروب من واقع قاسٍ. لكن هذا الهروب يقود إلى دائرة جديدة من الاستغلال، حيث يتم استغلال الأطفال في شبكات الترويج أو دفعهم إلى مزيد من العنف.
الفصل السابع: انتهاكات بلا رقيب
تشير شهادات قانونية وميدانية إلى أن أطفال الشوارع يتعرضون لانتهاكات متعددة، تشمل: العنف الجسدي، العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والاختطاف، والاختفاء القسري والتجنيد القسري.
يقول الحارث عبد الرحمن: “لا يوجد التزام من أي طرف… الانتهاكات واضحة، والتجنيد يتم حتى دون مقابل”. فغياب الدولة يعني غياب الرقابة، وغياب العدالة.
الفصل الثامن: تقصير دولي… واستجابة محدودة
رغم ضخامة الأزمة، يشير العاملون في الميدان إلى تقصير واضح من المجتمع الدولي. يقول الحارث: “لا توجد فرق متخصصة، ولا خطط واضحة، ولا إلزام لأطراف النزاع بحماية الأطفال”.
في المقابل، تحاول مبادرات محلية تقديم الدعم، لكنها تبقى محدودة. ويضيف: “هذه المبادرات تخفف من التبعات، وتعطي الأطفال شعوراً بأنهم جزء من المجتمع”.
الفصل التاسع: “قنبلة موقوتة” تهدد المستقبل
يحذر خبراء من أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد. يقول الحارث: “سنواجه جيلاً أكثر عنفاً… وربما أكثر ميلاً للإرهاب”. هذا التحذير لا يتعلق بالمستقبل البعيد فقط، بل بما بعد الحرب مباشرة، حيث سيجد السودان نفسه أمام جيل نشأ في بيئة عنف بلا تعليم ولا حماية.
الفصل العاشر: ما بعد الحرب… إعادة بناء أم إنتاج الأزمة؟
التجارب الدولية تشير إلى أن إعادة دمج الأطفال المجندين تتطلب برامج معقدة وطويلة الأمد: دعم نفسي، تعليم، تدريب مهني، إعادة دمج اجتماعي. لكن في السودان، حيث لا تزال الحرب مستمرة، تبدو هذه الخطط بعيدة المنال. تقول منى بله: “إذا لم نتحرك الآن، ستتعاظم المشكلة، وسيواجه بها مجتمع ما بعد الحرب”.
أطفال الشوارع في السودان ليسوا مجرد ضحايا… بل أصبحوا جزءاً من معادلة الحرب. في بلد تتآكل فيه الدولة، ويتراجع فيه المجتمع الدولي، يتحول هؤلاء الأطفال إلى “وقود” لصراع لا يملكون فيه خياراً.
السؤال لم يعد: كيف نحميهم؟.. بل: هل ما زال هناك وقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
