حكايات من “عروس الجبال”.. كنت ضيفاً في كنيسة الدلنج قبل الحرب

في مارس 2023، قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب في السودان، كنت أعبر الطريق من الخرطوم إلى الدلنج، مدينة جنوب كردفان التي يسميها أهلها بمحبة “عروس الجبال”.

لم أكن أعلم أن تلك الرحلة المهنية القصيرة ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر الذكريات إيلاماً في حياتي.

كنت موفداً من نقابة الصحفيين السودانيين لتنفيذ ورشة تدريبية حول العمل النقابي وحقوق الصحفيين. وعندما وصلت إلى المدينة، لم يكن هناك فندق فاخر أو قاعة مؤتمرات حديثة تستقبلني. كان مقر الإقامة داخل كنيسة الدلنج، حيث استقبلني الأب بطرس بابتسامة واسعة ودفء أبوي نادر.

صافحني بحرارة، ثم قادني إلى غرفة بسيطة أعدت لاستقبال المبشرين. كانت تضم سريرين ودولاباً وكرسياً وصورة للسيد المسيح معلقة على الجدار. وما إن دخلنا حتى أنزل الصورة ووضعها داخل درج صغير قائلاً إن احترام الأديان جزء من رسالتهم.

لم يكن الموقف يحتاج إلى تفسير، فقد قال كل شيء عن المدينة التي جئت إليها. مدينة تعرف التسامح بالفطرة.

بعد ساعات من النوم، خرجت لأجد زملاء الصحافة القادمين من ثلاث ولايات مختلفة قد وصلوا. تعارفنا سريعاً، ثم توجهنا إلى سوق الدلنج لتناول العشاء. هناك، كانت رائحة الشواء تملأ المكان، وكانت اللحوم تقدم بطريقة تجعل الغريب يشعر أنه بين أهله.

وفي الليل، كان السوق يتحول إلى مجلس كبير مفتوح تحت سماء ملبدة بالغيوم. لا صخب المدن الكبرى ولا توترها، فقط وجوه تعرف بعضها بعضاً، وأحاديث تمتد حتى ساعات متأخرة.

كانت الدلنج مختلفة.

حتى الطقس كان مختلفاً.

في الوقت الذي كانت مدن السودان تختنق بحرارة الصيف، كانت الغيوم تظلل المدينة وكأن الجبل يحرسها من قسوة الشمس.

كل صباح، كان الأب بطرس يبدأ يومه بالسؤال عن ضيوفه.

“يا حسين جيب الشاي”.

“يا حسين وين الموية؟”.

“يا حسين شوف الضيوف محتاجين شنو؟”.

أما حسين، ذلك الشاب الأسمر البشوش، فكان يتحرك بين الجميع كفراشة لا تغادر الابتسامة وجهها.

بعد أيام من الورشة، أصر الأب بطرس على أن يصحبنا في جولة داخل المدينة.

زرنا المستشفى، وتجولنا في السوق، ومررنا بغابة صغيرة تتوسط المدينة، قبل أن نصعد إلى الجبل المطل على الدلنج.

هناك، بدت المدينة هادئة بشكل يكاد يكون سحرياً.

المنازل تنتشر تحت سفح الجبل، والناس يمارسون حياتهم اليومية في سلام، بينما كان الأب بطرس يحدثنا عن التعايش الذي يميز المدينة.

لم يكن يتحدث كشخص يردد شعارات.

كان يتحدث عن واقع يعيشه الناس.

لا فرق بين مسلم ومسيحي.

لا حساسيات ولا خصومات.

مدينة احتفظت بروح القرية رغم اتساعها.

خلال أيام قليلة فقط، شعرت أنني أعرف معظم أهلها. وجوهاً في السوق، وأصدقاء في مقاهي المساء، ومصلين في المسجد، ومصلين في الكنيسة، وجلسات “الكيجي مورو” التي كانت تجمع الجميع حول مشروب شعبي بسيط يطفئ العطش ويكسر وحشة الغربة.

وعندما انتهت الورشة بعد عشرة أيام، حان وقت الرحيل.

أتذكر جيداً تلك اللحظة.

وقف الأب بطرس يودعني.

تعانقنا طويلاً.

بكينا.

وكأن شيئاً خفياً كان يخبرنا أن هذا اللقاء قد يكون الأخير.

غادرت الدلنج وأنا أحمل مدينة كاملة في قلبي.

لكن الدلنج التي عرفتها لم تعد موجودة.

اليوم، وبينما أكتب هذه السطور، تحولت “عروس الجبال” إلى واحدة من أكثر مدن السودان معاناة.

أكثر من مئة مدني قتلوا منذ فبراير الماضي، بينهم عشرات سقطوا خلال أسابيع قليلة نتيجة القصف المدفعي والضربات الجوية التي طاولت الأحياء السكنية. عشرات آخرون أصيبوا، فيما يعيش آلاف السكان تحت وطأة الخوف والنزوح ونقص الغذاء والدواء.

المدينة التي كانت تستقبل الغرباء بابتسامة، باتت تستقبلهم بأصوات المدافع.

والشوارع التي كانت تضج بالحياة، صارت تعرف طريقها إلى الملاجئ أكثر من الأسواق.

بحكم موقعها الاستراتيجي بين شمال كردفان وجنوبها، أصبحت الدلنج هدفاً عسكرياً مهماً في الحرب الدائرة. فهي بوابة نحو كادوقلي ومناطق جبال النوبة، وممر حيوي للإمدادات والسلع.

لكن وراء هذه الحسابات العسكرية توجد حكايات بشرية لا تظهر في بيانات الحرب، حكايات أشخاص مثل الأب بطرس، ومثل حسين.

ومثل أولئك الباعة الذين كانوا يملأون السوق بالحياة.

لا أعرف أين هم الآن. هل ما زال الأب بطرس يوقظ ضيوفه على صوت الشاي الصباحي؟

هل ما زال حسين يركض بين الناس بابتسامته المعهودة؟

هل ما زالت مقاعد السوق تنتظر جلسات السمر؟

أم أن الحرب أخذت الجميع إلى مصائر مجهولة؟

في نشرات الأخبار، تبدو المدن مجرد نقاط على الخرائط.

لكن المدن ليست حجارة وشوارع فقط.

المدن هي الناس.

والدلنج التي عرفتها كانت مجموعة من القلوب الطيبة التي علمتني أن التعايش ليس شعاراً سياسياً، بل أسلوب حياة.

لهذا، كلما سمعت خبراً جديداً عن القصف أو الحصار هناك، لا أفكر في الخرائط ولا في خطوط التماس.

أفكر في الأب بطرس.

وأتساءل بصمت: هل ما زال بخير؟

وهل ستعود “عروس الجبال” يوماً كما عرفناها؟

مدينة يحرسها الجبل… لا المدافع.