
فشل 3 مرات في الإنجليزية.. كيف تحول عبد الله خليفة من طالب متعثر إلى رجل يطارد أحلامه على دراجة نارية؟
عبد الله خليفة.. حين يتحول الفشل إلى طريق والطريق إلى رسالة
حوار بروفايل – ثلاث مرات كاملة.
هذه ليست عدد الجوائز التي حصل عليها، ولا عدد الرحلات التي خاضها، بل عدد المرات التي سقط فيها عبد الله خليفة في امتحان اللغة الإنجليزية بالشهادة السودانية؛ والمفارقة أن اللغة نفسها، التي تحولت يوما إلى جدار مغلق أمامه، أصبحت لاحقا مهنته ورسالة حياته.
في قصته، لا تبدو الهزيمة لحظة عابرة، بل نقطة البداية.
حين يجلس عبد الله خليفة للحديث عن نفسه، لا يبدأ من الدكتوراه، ولا من المدارس التي أسسها، ولا من الرحلات الطويلة التي قطعها على متن دراجة نارية عبر الحدود؛ يعود مباشرة إلى نقطة التعثر الأولى.
يقول: “فشلت ثلاث مرات في الإنجليزية، وكان ذلك مؤلما جدا، لكنني قررت أن أسأل نفسي: لماذا تصبح اللغة حاجزا بدلا من أن تكون وسيلة عبور؟”
ذلك السؤال غيّر كل شيء.
منذ ذلك الوقت، لم يعد ينظر إلى التعليم باعتباره محاولة للنجاح في الامتحان، بل باعتباره محاولة لفهم أسباب الفشل نفسه.
خارج الألقاب
وعندما يُسأل: من هو عبد الله خليفة خارج الألقاب الأكاديمية؟
يصمت قليلا ثم يجيب: “أنا إنسان بسيط آمن أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل بداية لاكتشاف الذات. عشت بين الحلم والتحدي، بين الواقع والطموح. أحب الإنجليزية لأنها غيرت حياتي، وأحب الدراجة النارية لأنها علمتني الصبر والحرية.”
وربما تبدو الإجابة كافية لفهم تناقضاته الظاهرة؛ أكاديمي يقضي جزءا كبيرا من حياته بين الكتب، لكنه في الوقت نفسه يجد نفسه على الطرق الطويلة، فوق دراجة نارية، وسط الغبار والمسافات المفتوحة.
التعليم.. عندما يتحول الألم إلى مشروع
لا يتحدث عبد الله عن اللغة الإنجليزية باعتبارها مادة دراسية.
بالنسبة له، المشكلة الحقيقية ليست في اللغة نفسها، بل في الخوف المرتبط بها.
لذلك، بنى فلسفته التعليمية على فكرة بسيطة: إزالة الرهبة قبل تعليم القواعد.
يرى أن المتعلم الذي يخاف اللغة لن يتعلمها مهما كانت جودة المناهج.
ويقول: “التعليم بالنسبة لي ليس وظيفة. التعليم حياة كاملة.”
من هنا جاءت محاولاته لتأسيس مشاريع تعليمية تقوم على التفاعل والتجربة وبناء الثقة، بدلا من الحفظ التقليدي.
ويعمل حاليا على تطوير مشروع تعليمي يسعى، بحسب وصفه، إلى تقديم نموذج حديث لتعليم الإنجليزية داخل السودان.
خارج الصفوف.. المجتمع كقاعة أكبر
لكن مسار عبد الله لم يتوقف عند التعليم.
امتد إلى العمل المدني والمبادرات المجتمعية، حيث شارك في عدد من المبادرات المعنية بالسلام المجتمعي ونبذ العنف.
لا يرى تناقضا بين التعليم والعمل المدني.
بل يعتبر الاثنين جزءا من مشروع واحد.
ويقول: “السودان لا يعاني من نقص في البشر، بل من نقص في البيئات التي تسمح للطاقات أن تتحول إلى أثر.”
الدراجة النارية.. المدرسة الثانية
في عام 2012 بدأ الأمر كهواية.
دراجة نارية، إمكانيات محدودة، وشغف لا يبدو مألوفا داخل السودان.
لكن مع الوقت، لم تعد الدراجة مجرد هواية.
تحولت إلى أسلوب حياة.
يقول: “الدراجة ليست آلة.. هي أسلوب حياة. تكشف الإنسان كما هو.”
تعلم منها الصبر.
وتعلم منها مواجهة الخوف.
وتعلم منها أن الطريق الطويل لا يُقطع بالقفز، بل بالاستمرار.
الرحلات.. كتابة الطريق بالجسد
من أكثر المحطات حضورا في ذاكرته رحلة طويلة انطلقت من الميرم، مرورا بجنوب السودان، وصولا إلى حدود أوغندا وضواحي كمبالا.
يصفها بأنها لم تكن مجرد رحلة جغرافية.
كانت اختبارا نفسيا وجسديا كاملا.
شارك أيضا ضمن فريق “سودان داكار”، وشغل منصب الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام للدراجات النارية بولاية الخرطوم.
لكن خلف تلك التجارب كانت هناك معادلة ثابتة:
قلة دعم.
إمكانيات محدودة.
معدات نادرة.
وعندما سألناه عن أثر الرحلات الطويلة في حياته، أجاب:
“غيرت نظرتي للحياة تماما. أصبحت أراها أقصر من أن تهدر في الخوف.”
الحرب.. خسارة الدراجة وبقاء الطريق
ثم جاءت الحرب.
وفقد عبد الله دراجته النارية.
لكن حين يتحدث عن تلك الخسارة، لا يبدو منشغلا بالآلة نفسها.
يقول: “نعم فقدت الدراجة.. لكنني لم أفقد الطريق.”
في تلك الجملة القصيرة ربما تختبئ فكرته كاملة.
فهو لا يتعامل مع الأشياء باعتبارها الغاية.
بل باعتبارها أدوات مؤقتة.
أما الاتجاه، فيجب أن يبقى.
هل يشعر بالظلم الإعلامي؟
يجيب دون تردد: “نعم. ليس أنا وحدي. كثير من العاملين في هذا المجال ظلوا خارج الضوء رغم وجود طاقات حقيقية.”
ويعتقد أن رياضة الدراجات النارية ما تزال واحدة من الرياضات الأقل حضورا إعلاميا رغم قدرتها على صناعة مجتمعات شبابية منظمة وقادرة على العمل المدني والخدمي.
الأحلام التي لم تكتمل بعد، ورغم كل ما أنجزه، يتحدث عبد الله عن المستقبل أكثر من الماضي.
يحلم بمشروعين.
الأول: مؤسسة تعليمية كبيرة تغير واقع تعليم الإنجليزية.
الثاني: نادٍ وطني للدراجات النارية يستوعب الشباب ويوجه طاقتهم نحو العمل الإيجابي.
لكن هناك حلم ثالث يبدو الأقرب إلى قلبه.
رحلة طويلة بالدراجة النارية من السودان حتى جنوب أفريقيا.
رحلة لا يراها تحديا رياضيا فقط.
بل رسالة.
رسالة يريد أن يقول من خلالها إن الحدود ليست دائما جغرافية.
وفي نهاية الحوار، طلبنا منه أن يختصر حياته في كلمات قليلة.
فأجاب: “لا تتوقف.. استمر مهما كانت الظروف.”
ربما ليست مجرد نصيحة.
بل وصف مختصر لحياة كاملة.
