مربع ذهب تحت سيطرة شركة تابعة للجيش.. تحقيق يكشف كيف عطّل الفريق إبراهيم جابر قرارات النيابة ووزير المعادن

في دولة تعلن التزامها بسيادة القانون، تبدو المفارقة صارخة حين تتحول القرارات العدلية إلى أوراق بلا أثر على الأرض. هذا التحقيق يتتبع خيوط قضية شركة “عبدالوهاب السيسي للتعدين”، التي تكشف، وفق وثائق وشهادات، عن فجوة مقلقة بين صدور القرار وتنفيذه، وسط اتهامات بتغوّل جهات نافذة على حقوق قانونية مثبتة.

وتثير القضية تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة العلاقة بين الفريق إبراهيم جابر والشركة التابعة للجيش التي تولّت إدارة مربع الذهب خلال الفترة الماضية، وسط مطالبات بكشف الأسس القانونية والإدارية التي استندت إليها عملية الإشراف على الموقع، وحجم العائدات التي تحققت خلال تلك الفترة.

وفي السياق ذاته، دعت أطراف معنية بالقضية إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم ممثلين من الجهات العدلية والرقابية ووزارة المعادن، بهدف مراجعة حجم الإنتاج والإيرادات طوال العامين اللذين خضعت فيهما المنطقة لسيطرة المؤسسة الوطنية، وهي شركة تتبع للجيش، إلى جانب التحقق من أوجه التصرف في العائدات ومدى التزام الإجراءات بالقوانين المنظمة لقطاع التعدين.

بداية القصة: عقد قانوني واستثمار مُعلق

في العام 2014، حصلت الشركة على امتياز تعدين في الولاية الشمالية بمساحة 500 كيلومتر مربع، تقلّصت لاحقًا إلى 128 كيلومترًا مربعًا بعد دراسات جيولوجية، أُعيدت بموجبها المساحات غير المستغلة إلى وزارة المعادن التزامًا ببنود العقد.

الملف—كما يقدّمه الناطق الرسمي للشركة الدكتور عبدالوهاب السيسي—يؤكد أن 126 كيلومترًا مربعًا مملوكة بالكامل للشركة، بينما خُصصت مساحة صغيرة (2 كلم²) لمنجم إنتاج عبر اتفاق مع حكومة السودان ممثلة في وزارة المعادن

لكن ما حدث لاحقًا يطرح أسئلة أكبر من مجرد نزاع إداري.

قرار عدلي… بلا تنفيذ

بعد تحقيقات استمرت قرابة عامين، أصدرت النيابة العامة، في 25 يوليو/تموز 2025، قرارًا بفك الحظر عن شركة كارولين، مؤكدة سلامة موقفها القانوني.

وأعقب القرار تشكيل مجلس إدارة جديد للشركة، جرى اعتماده من السجل التجاري، بمشاركة وزارة المعادن، التي سمّت الباشمهندس عبد الله رئيسًا منتدبًا من الوزارة لمجلس الإدارة، إلى جانب الدكتور جعفر ممثلًا للوزارة وعضوًا في الشركة، وثلاثة اعضاء من شركة السيسي.

ووجهت رسميًا باستئناف العمل، وخاطب وزير المعادن نور الدائم طه الفريق إبراهيم جابر بتسليم مربع التعدين، لكن حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لم يتم التنفيذ.

من يعرقل القرار؟

تشير الوثائق إلى استمرار وجود عناصر تابعة لـ”المؤسسة التعاونية الوطنية” داخل المربع، رغم القرار العدلي.

هذا الواقع يفتح ثلاثة احتمالات رئيسية: تضارب مصالح داخل مؤسسات الدولة، أو ضعف آليات إنفاذ القرارات القضائية، إما نفوذ جهات موازية تتجاوز التسلسل الإداري.

مصادر قانونية تحدثت لـ”الغد السوداني” (طلبت حجب هويتها) تقول إن: “أخطر ما في القضية ليس النزاع نفسه، بل أن تصبح قرارات النيابة غير مُلزمة عمليًا”.

خسائر صامتة… واقتصاد ينزف

تقدر الشركة أن توقف المشروع لأكثر من عامين تسبب في تعطيل استثمارات بملايين الدولارات، وأوقف فرص تشغيل مباشرة وغير مباشرة، وحرم الدولة من عوائد إنتاج محتملة.

وفي بلد يواجه أزمة اقتصادية خانقة، تتحول مثل هذه الملفات إلى مؤشر على تكلفة الفساد الإداري غير المرئي.

الرسالة التي قد تفجر الملف

في تصعيد غير مسبوق، لوح ممثل الشركة بنشر الأدلة للرأي العام، وتنظيم وقفات سلمية أمام مجلس السيادة، في حال استمرار تجاهل التنفيذ. هذا التلويح يضع السلطات أمام اختبار مزدوج: “إما إنفاذ القانون، أو مواجهة أزمة ثقة عامة في مؤسسات العدالة”.

ما وراء القضية: خلل هيكلي؟

القضية لا تبدو معزولة، بل تعكس نمطًا متكررًا في السودان “قرارات تصدر دون متابعة تنفيذ، تضارب بين المؤسسات، غياب الشفافية في إدارة الموارد”. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة في القوانين… أم في من يطبقها؟

الملف يكشف عن مفارقة خطيرة “عدالة مكتملة على الورق… ومعلّقة على الأرض”. وفي ظل غياب رد رسمي واضح من الجهات المعنية حتى الآن، تبقى القضية مفتوحة على احتمالات التصعيد—وربما على اختبار حقيقي لجدية الدولة في محاربة الفساد.