المؤامرة السياسية: بين الحقيقة و الوهم في السودان
بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..
في زمن الحرب، لا يبحث الناس عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن تفسير مريح. و هنا تتقدم نظرية المؤامرة كأقصر طرق التفسير الجاهز لتحمّيل الخارج كل شيء، و إعفاء الداخل من أي مسؤولية. لكنها، في كثير من الأحيان، ليست فهمًا للواقع بقدر ما هي هروب منه.
في علم النفس السياسي، تُفهم نظرية المؤامرة كاستجابة نفسية للفوضى حين ينهار الإحساس بالسيطرة، يبحث العقل عن قصة متماسكة حتى لو كانت وهمية. لكن هذا لا يعني أن المؤامرات غير موجودة؛ فالتاريخ نفسه يكذب هذا التبسيط.
لكن من يظن أن المؤامرة فكرة مستوردة من الخارج، يتجاهل أن تاريخ السودان نفسه حافل بنماذج واضحة للعمل السري و التخطيط الخفي. فـ انقلاب 1989 في السودان لم يكن لحظة عفوية، بل عملية مُحكمة نسّقتها الجبهة الإسلامية القومية داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من اختراق الجيش و توازنات اللحظة السياسية. و قبل ذلك، يكشف تاريخ الدولة المهدية كيف يمكن للصراع على الشرعية و السلطة أن يُدار عبر تحالفات خفية و إقصاءات داخلية أعادت تشكيل مراكز القوة عقب سقوط الخرطوم 1885.
أما في التاريخ الحديث، فقد ظلت محاولات الانقلابات المتكررة، و التحالفات المتبدلة بين العسكر و القوى السياسية، دليلًا على أن العمل السياسي في السودان لم يكن يومًا شفافًا بالكامل، بل كثيرًا ما تحرّك في الظل بقدر ما ظهر في العلن.
لكن الخطأ ليس في الاعتراف بوجود هذه الأنماط من التآمر السياسي، بل في تحويلها إلى تفسير شامل لكل شيء؛ حيث تختفي المسؤولية، ويُختزل الواقع المعقّد في رواية واحدة مريحة لكنها مضللة.
و الأخطر من المؤامرات نفسها هو كيف تُصنع أساطير المؤامرة داخل الذاكرة السياسية. ففي التاريخ السوداني، تتكرر روايات تُقدَّم بوصفها حقائق دامغة، بينما هي في جوهرها بناء رمزي يخدم لحظة سياسية معينة. من ذلك ما يُروى عن مقتل السيرد غردون باشا عقب سقوط الخرطوم 1885، و قصة السيف الذي قُطع به رأسه و أُهدي لملكة بريطانيا بواسطة وفد وطني! هذه الرواية، رغم حضورها في المخيال الشعبي، تفتقر إلى سند تاريخي موثوق، لكنها تكشف شيئًا أعمق؛ كيف يُعاد تشكيل الحدث ليصبح رمزًا، و كيف تتحول الوقائع إلى أدوات تعبئة و هوية.
هنا لا نكون أمام مؤامرة، بل أمام صناعة معنى؛ حيث تُستخدم الحكاية لتكثيف فكرة الانتصار أو لتغذية سردية الصراع مع الآخر. و هذه هي المفارقة فكما أن هناك مؤامرات تُدار في الخفاء، هناك أيضًا أساطير تُصنع في العلن، و تؤدي وظيفة لا تقل تأثيرًا.
المشكلة أن خطاب المؤامرة في السودان لم يعد تفسيرًا، بل أداة سياسية لتبرئة الذات، و تعبئة الأنصار، واتهام الخصوم. و هكذا، يتحول من تحليل إلى عائق.
ليس السؤال الحقيقي هل هناك مؤامرة؟ بل من يملك السلاح؟ من يسيطر على الموارد و النفوذ؟ و من يستفيد من استمرار الحرب؟
السودان لا يحتاج إلى إنكار المؤامرات، و لا إلى الاستسلام لها، بل إلى وعي قادر على التمييز. فالأمم التي تفسر كل شيء بالمؤامرة، غالبًا ما تعجز عن تغيير أي شيء، و تبقى أسيرة تفسيرها بدل أن تكون صانعة لمصيرها.
