
من الكتلة المدنية الحرجة إلى الكتلة الوطنية: ضبط المفاهيم ورسم المسار السياسي لبناء المشروع الوطني السوداني
في مقاله المعنون “من `الكتلة المدنية الحرجة` إلى `الكتلة الوطنية`: تعقيب على مقال د. إبراهيم البدوي”، قدّم د. الواثق كمير قراءة نقدية لمقالنا الموسوم “مؤتمر برلين بشأن السودان: من الإغاثة إلى بناء الكتلة المدنية الحرجة والمشروع الوطني الديمقراطي النهضوي”، مثيراً جملة من الأسئلة الجوهرية التي تمسّ صلب النقاش الدائر حول مستقبل السودان. وهذه الأسئلة، في تقديرنا، لا تندرج ضمن الملاحظات النقدية فحسب، بل تمثّل مدخلاً ضرورياً لتجويد الحوار الوطنى وتطويره، والانتقال به من مستوى التصور العام إلى أفق أكثر ضبطاً من حيث المفاهيم، وأكثر واقعية من حيث المسار السياسي.
ابتداءً، أرى أن حواراتنا الوطنية – وإن كانت لا تزال في حاجة إلى إعمال الفكر التأسيسي المستند إلى تجارب الأمم والشواهد المقارنة في قضايا الحروب الأهلية، وبناء السلام، والتحولات الاقتصادية وما يترتب عليها من نهوض الأمم أو انهيارها – إلا أنني أتفق مع الكاتب في أننا في حاجة أشد إلى تجسير الهوة بين الرؤية والتنفيذ، الأمر الذي يستدعي تعريفاً أكثر دقة ووضوحاً للفاعلين، وللمسارات العملية القادرة على نقل الأفكار إلى حيّز الفعل. ومن هنا تأتي أهمية الملاحظات النقدية التي أثارها د. الواثق، والتي يمكن تلخيصها في أربعة محاور مترابطة: غياب الضبط المفاهيمي، لا سيما في ما يتعلق بمفهوم “الكتلة الحرجة”؛ والتباس تعريف “القوى المدنية”؛ وضعف تحديد المسار السياسي؛ والتقليل من وزن الخلافات الجوهرية بين الفاعلين. فالشكر موصول للأخ د. الواثق على طرح هذه التساؤلات المهمة على طاولة الحوار الفكري بشأن القضايا المصيرية التي تمر بها بلادنا.
عليه، يسعى هذا المقال إلى الاستجابة لهذه القضايا من خلال إعادة بناء الإطار المفاهيمي، وتوضيح التمييز بين “الكتلة المدنية الحرجة” و”الكتلة الوطنية”، وطرح مسار سياسي متدرج، وربط ذلك بإدارة الخلافات الواقعية التي تشكل عصب الأزمة السودانية.
أولاً: في الضبط المفاهيمي – ما المقصود بـ”الكتلة المدنية الحرجة“؟
نشأ مفهوم “الكتلة الحرجة” فى أدبيات علم الفيزياء النويية، ويشير إلى الحد الأدنى من كمية المادة القابلة للانشطار اللازمة لإدامة تفاعل تسلسلي ذاتي الاستمرار. فدون هذا الحد، تتبدد انبعاثات النيوترونات بسرعة كبيرة بحيث لا يستمر التفاعل؛ أما إذا تم تجاوزه، فإن كل عملية انشطار تُطلق تفاعلات لاحقة، مولِّدةً عملية متسارعة ذاتية التعزيز. وقد اكتسب هذا المفهوم شهرة واسعة خلال “مشروع مانهاتن” لصنع القنبلة النووية (المشئومة) خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان تحديد الكتلة الحرجة بدقة لمواد مثل اليورانيوم أو البلوتونيوم أمراً حاسماً لتحقيق تفاعل تسلسلي مستدام يمكن أن يكون انفجارياً. ومن الناحية المفاهيمية، يعكس هذا المصطلح مبدأً أساسياً يتمثل في وجود “عتبة فاصلة” (tipping point) بين حالات التبدد وحالات التعاظم.
وقد انتقل مفهوم “العتبة” إلى مجالات الاقتصاد، والاقتصاد السياسي، ودراسة السياسة، لا سيما منذ منتصف القرن العشرين، حيث سعى الباحثون إلى تفسير لماذا تصبح بعض الظواهر والتحولات الإجتماعية أو السياسية-الاقتصادية، ذاتية الاستدامة بينما تتعثر أخرى. فعلى سبيل المثال استدعت نظريات التنمية المبكرة – مثل نموذجى “الدفع الكبير”(big push) ” و”الإقلاع” (take-off) – ضمنياً ديناميات مفهوم الكتلة الحرجة، من خلال تأكيدها على ضرورة بلوغ حد أدنى من الاستثمار المنسق لإطلاق نمو مستدام. ومع مرور الوقت، أصبح المفهوم أكثر وضوحاً في نماذج إخفاق التنسيق، وتعدد التوازنات، والتكتل الاقتصادي، ثم امتد إلى الاقتصاد السياسي عبر نظريات الفعل الجماعي والتغير المؤسسي. وفي هذه المجالات، أصبحت الكتلة الحرجة تُعبّر عن الحد الأدنى من التوافق بين الفاعلين أو الموارد أو الحوافز اللازم لنقل نظام ما (اجتماعى، سياسى، اقتصادى) من توازن منخفض – يتسم بالركود أو عدم القدرة على التوافق – إلى توازن أعلى قائم على الإصلاح والنمو والاستقرار.
وفي جوهره، يساعد مفهوم الكتلة الحرجة على تفسير لماذا لم تُفضِ الدعوات المتكررة لوحدة القوى المدنية السودانية إلى تأثير سياسي حاسم حتى الآن. ففي السياق الراهن، لا يكفي وجود تحالف واسع لكنه مجزأ؛ بل المطلوب هو تحالف يبلغ من الحجم والتماسك والتوافق الاستراتيجي ما يمكّنه من تغيير الحوافز الأساسية للحروب والنزاعات. فدون هذه العتبة، تظل القوى المدنية متفرقة، ويتبدد تأثيرها، وتبقى قدرتها على تشكيل النتائج محدودة. أما بعد تجاوزها، يبدأ التحالف في العمل كقوة سياسية ذاتية التعزيز، قادرة على تنسيق الخطاب، وتعبئة القواعد الاجتماعية، وتمثيل بديل وطني ذي مصداقية.
فإيقاف الحرب والدفع نحو انتقال مدني ديمقراطي لا يتطلبان مجرد تجميع الفاعلين، بل يستلزمان بناء بنية مؤسسية قادره على حمل عبء الانتقال عبر بيئة سياسية مضطربة. فالتحالف الذي يفتقر إلى برنامج مشترك، وهيكل مؤسسي، وآليات للانضباط الداخلي، سيكون عرضة للتفكك عند أول صدمة خارجية أو خلاف داخلي. وعلى النقيض، فإن التحالف المُحكم البناء – المرتكز على ميثاق وطني واضح، والمدعوم بكتلة حرجة من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، والقادر على التفاعل مع القواعد المحلية والشركاء الدوليين – يمكن أن يصبح منصة فعالة لممارسة الضغط على أطراف الحرب، وصياغة مسار موثوق نحو الحكم المدني. وبهذا المعنى، فإن بلوغ الكتلة الحرجة ليس فقط غاية في حد ذاته، بل هو أيضاً شرطاً لبلوغ “العتبة” الذي يمكّن التحالف من الانتقال من طور الطموح إلى طور الفاعلية في إنهاء الحرب وإعادة تشكيل النظام السياسي لما بعد الحرب.
تأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن المقصود ب”الكتلة الحرجة” فى سياق التحالف المدنى ليس مجرد تجمّع عددي أو تحالف سياسي عابر، بل بنية مركبة تتوافر فيها ثلاثة شروط أساسية:
أولاً، سند شعبي واسع يمنحها قدراً من الشرعية الاجتماعية والتمثيلية؛
ثانياً، قدرة تنظيمية وتعبوية تجعل حضورها في المجال العام ملموساً ومؤثراً؛
ثالثاً، قابلية للفعل السياسي تمكّنها من الانتقال من الخطاب إلى المبادرة وتشكيل الوقائع على الأرض.
ثانياً، من المفهوم إلى المسار: كيف يبدأ التشكّل السياسي؟
تُعدّ هذه النقطة من أهم ما أُثير في النقاش، إذ لا يكفي تحديد الأفق دون بيان الطريق إليه. وفي هذا السياق، يمكن تصور المسار السياسي المقترح بوصفه عملية متدرجة تتكون من أربع مراحل مترابطة، تنتقل فيها الفكرة من مستوى التجريد إلى مستوى الفاعلية السياسية.
المرحلة الأولى: التشكّل الأولي (نواة برلين)
تنطلق العملية من نواة أولية تشكّلت في سياق تحالفات مدنية متعددة، من أبرزها تحالف “صمود”، وقد توسّعت هذه النواة خلال مؤتمر برلين، الذي أتاح – رغم محدودياته – فرصة نادرة لتجميع طيف من القوى المدنية ضمن إطار يحظى بقدر من الاعتراف الدولي. غير أن هذه النواة تظل محدودة الأثر ما لم تُفعَّل عبر مسارين متوازيين: توسّع أفقي يستصحب قوىً اجتماعيةٍ وسياسيةٍ إضافية، وتطوّر رأسي يحوّل المبادئ العامة إلى أرضية عمل مشتركة.
المرحلة الثانية: الانتقال إلى التعاقد السياسي (بلورة الميثاق الوطني)
في هذه المرحلة، يتم الانتقال من التوافق المعياري إلى التعاقد السياسي عبر صياغة ميثاق وطني جامع. ولا يقتصر هذا الميثاق على تحديد المبادئ، بل يتضمن مكونات برامجية واضحة، تقوم على مصفوفتين أساسيتين:
مصفوفة أولى تركّز على مهام إنهاء الحرب وبناء السلام، وفي مقدمتها الإصلاح الأمني، والعدالة الانتقالية، واستعادة الخدمات الأساسية، مع إسناد أممي يضمن المعايير المهنية والشرعية متعددة الأطراف.
ومصفوفة ثانية تستهدف تعزيز قدرة المجتمع على إدارة الانتقال، من خلال معالجة اختلالات الاستقطاب السياسي، وهيمنة الاقتصاد الريعي، وضعف مؤسسات التحكيم القانونية والعرفية، وذلك عبر تأطير العقد الاجتماعي بقضايا حاكمة تشمل الشرعية الاقتصادية، وإصلاح النظام الدستوري، وإعادة هيكلة الحكم اللامركزي، وصيغ الحكم الانتقالي، وبناء سردية وطنية جامعة.
المرحلة الثالثة: التحول إلى كتلة وطنية (توسيع التمثيل والشرعية)
في هذه المرحلة، تُعاد صياغة التمثيل السياسي عبر إدماج الفاعلين الاجتماعيين والتقليديين ضمن مشروع وطني جامع، بما يعزز الشرعية الداخلية ويحوّل الكتلة إلى حامل فعلي للمشروع الوطني. غير أن توسيع هذه الكتلة لا يمكن أن يقوم على مجرد الاعتبارات التمثيلية، بل يتطلب مرجعية معيارية واضحة تستمد مشروعيتها من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة. وفي هذا السياق، يمكن بلورة مجموعة من المعايير الكلية التي تشكل أساساً لتوسيع الكتلة الوطنية واستقطاب قوى اجتماعية جديدة تعزز تمثيل أكثر متانة لتنوع المجتمع السودانى، بما في ذلك تلك التي قد تكون مصطفة – بحكم الواقع أو المصالح – إلى جانب أحد معسكري الحرب.
أول هذه المعايير هو الالتزام بوقف الحرب كأولوية وطنية مطلقة، ورفض استخدام العنف وسيلةً للعمل السياسي. وثانيها القبول بمبدأ مهنية المؤسسة العسكرية-الأمنية، وضرورة خروجها الكامل من العمل السياسي والاقتصادي، وضمان تمثيلها العادل لمختلف مكونات الشعب الجهوية والإثنية، بما يعيد تعريف دورها بوصفها مؤسسة وطنية لحماية السيادة، لا فاعلاً في الصراع على السلطة أو الموارد على أساس الانتماءات السياسية أو العصبيات ما دون القومية. وثالثها الإقرار بمرجعية الإدارة المدنية المنتخبة أو المفوَّضة توافقياً خلال الفترة الإنتقالية بوصفها المرجع النهائي للسلطة، بما يرسّخ مبدأ خضوع القوات النظامية للسلطة المدنية. كما تشمل هذه المعايير الالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية والمساءلة، ورفض الإفلات من العقاب، إلى جانب تبنّي مشروع اقتصادي يعالج جذور التهميش ويحدّ من هيمنة الاقتصاد الريعي المرتبط بعسكرة الدولة. ومن شأن هذه المرجعية أن تتيح توسيع الكتلة الوطنية على أسس موضوعية غير إقصائية، بما يفتح المجال أمام قوى اجتماعية متنوعة للانخراط في المشروع الوطني، شريطة التزامها بهذه القواعد الحاكمة.
وبهذا المعنى، لا يكون الانتقال إلى كتلة وطنية مجرد عملية توسع عددي، بل عملية إعادة فرز سياسي وأخلاقي، تُعيد تشكيل التحالفات على أساس مشروع وطني جامع، يوازن بين متطلبات السلام واستحقاقات التحول الديمقراطي. ومن خلال هذا الإطار، يصبح بالإمكان مخاطبة القواعد الاجتماعية المرتبطة بمعسكري الحرب، ليس بمنطق المواجهة، بل بمنطق إعادة تعريف المصالح على المدى الطويل، بما يربط الاستقرار بمهنية المؤسسة العسكرية، والتنمية بخروجها من الاقتصاد، والشرعية بخضوعها للسلطة المدنية.
المرحلة الرابعة: التفعيل السياسي (توظيف الدعم الدولي كرافعة)
في المرحلة الأخيرة، يُفعَّل هذا البناء السياسي عبر توظيف الدعم الدولي – بما في ذلك الدور الأممي والمبادرات الإقليمية – بوصفه رافعةً للمشروع الوطني، لا بديلاً عنه. وهنا يصبح بالإمكان الانتقال من بلورة الرؤية إلى التأثير في توازنات الصراع، من خلال ممارسة ضغط منسق لإنهاء الحرب، وتهيئة البيئة المؤسسية لانتقال مدني ديمقراطي مستدام.
وفي هذا السياق، تكتسب العملية الأممية متعددة الأبعاد أهمية حاسمة بوصفها “الضلع الثالث” في مثلث السلام، إذ تسهم في تعويض ضعف مؤسسات الدولة وتآكل تماسك النسيج الاجتماعي، عبر ثلاثة أدوار مترابطة: أولها، ضمان اعتماد المعايير الدولية في مجالي الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية، بما يمنع الحلول الشكلية؛ وثانيها، توفير مظلة شرعية متعددة الأطراف تحدّ من التدخلات والمصالح الضيقة لفرادى البلدان – بما فى ذلك دول الرباعية، وتعزز استقلالية القرار الوطني؛ وثالثها، تعزيز الشراكة الإقليمية ضمن إطار تعاوني متوازن. كما تتيح هذه العملية تمكين القوى المدنية من الاضطلاع بدور ميداني فاعل في العمل الإنساني، بما يعزز شرعيتها ويعيد ربطها بالمجتمع.
وبذلك، تتحول العملية الأممية من مجرد إسناد خارجي إلى آلية استراتيجية لإعادة تشكيل الحوافز، وضبط التوازن بين الداخل والخارج، وفتح الطريق أمام سلام تحوّلي يتجاوز وقف الحرب إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس ديمقراطية مستدامة.
ثالثاً، الموقف من الجيش، الدعم السريع و”الاسلاميين”
ابتداءً، ومن حيث الضبط المفاهيمي، لا أوافق على توصيف”الإسلاميين”، إذ ينطوي هذا التوصيف على إضفاء صفة دينية – مرتبطة بالدين الحنيف الخاتم – على فئة ارتبط أداؤها، على الأقل في السياق السوداني، بتجربة مأزومة بل كارثية، لا صلة لها – في تقديرنا – بجوهر الدين، كما أقرّ بذلك بعض قادتها ومنسوبيها، فضلاً عن نقد الآخرين لها. وعلى أي حال، تُعد هذه القضية من أكثر القضايا حساسية في السياق السوداني، لارتباطها المباشر ببنية الحرب القائمة وتوازنات القوة. غير أن التعامل معها لا يمكن أن يقوم على الاصطفافات المسبقة أو الأحكام التعميمية، بل يتطلب اعتماد مقاربة معيارية واضحة، تستند إلى مرجعية وطنية جامعة تُحدّد شروط الانخراط في المشروع الوطني.
وفي هذا الإطار، يتمثل المعيار الحاكم في الالتزام بمرجعية الميثاق الوطني المدني والعقد الاجتماعي المنبثق عنه، بوصفهما الإطار الناظم لإعادة تأسيس الدولة، والمرجعية العليا التي يجب أن تخضع لها جميع القوى دون استثناء. ويترتب على ذلك أن يُقاس موقف كلٍّ من قادة الجيش والدعم السريع، وكذلك القوى السياسية المرتبطة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، بمدى استعدادها للانخراط الفعلي في هذا الإطار، لا بمواقعها السابقة في تطورات الحرب.
أ. الموقف من “الإسلاميين”
في هذا السياق، فإن إعادة تموضع التيارات الإسلامية داخل المشروع الوطني ليست مسألة شكلية، بل مشروطة بإجراء مراجعات جذرية وصريحة تمسّ جوهر تجربتها في الحكم، بما في ذلك القبول باستحقاقات تفكيك التمكين ومكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، واجتثاث إرث نظام الإنقاذ، وقبول الفصل المؤسسي بين الدعوي والسياسي، والالتزام غير المشروط بقواعد الانتقال المدني الديمقراطي. كما يقتضي ذلك الإقرار الصريح بمسؤولية التجربة السابقة عن تقويض الدولة وإضعاف مؤسساتها، والاستعداد لتحمل استحقاقات المساءلة ضمن إطار العدالة الانتقالية. وهو ما يستدعي ما تبقى من “الحركة الإسلامية” ومؤتمرها الوطني ومليشياتها العسكرية، أن تجرى مراجعات عميقة ذات مصداقية. وفي هذا المضمار، تبرز تجربة المؤتمر الشعبي بوصفها مثالاً يُحتذى، حيث أجرى هذا الحزب مراجعات فكرية وسياسية مبكرة بل وانخرط فى مشروع ثورة ديسمبر المجيدة وقدم تضحيات وأصبح بعد الإنقلاب وهذه الحرب المشئومة مكوناً أصيلاً فى مشروع إنهاء الحرب وبناء السلام واستعادة مسار ثورة ديسمبر المجيدة.
ومع ذلك، لا يجوز أن يُرتهن المشروع الوطني أو يُعطَّل بسبب الوضع القانوني أو التصنيفات السياسية لهذه التيارات في بعض السياقات الدولية، إذ إن أولوية إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة تظل مقدَّمة على أي اعتبارات أخرى. ومن ثم، يظل معيار الانخراط حاسماً وواضحاً: الالتزام العملي بمرجعية الميثاق الوطني وأهدافه، دون مواربة أو استثناء، وبما يضع حداً نهائياً لاستخدام الدين أو الدولة كأدوات للهيمنة السياسية أو الاقتصادية.
وعلى هذا الأساس – وهو رأي سيكون، بلا شك، موضع أخذٍ ورد – لا يمكن أن يكون انخراط هذه التيارات (تحديداً المؤتمر الوطنى والحركة الإسلامية) في المرحلة الانتقالية أمراً تلقائياً، بل ينبغي أن يكون مشروطاً ومؤجلاً إلى حين إثبات جديتها في الالتزام بمقتضيات المساءلة القانونية والسياسية، وقبولها العملي بقواعد التنافس الديمقراطي. وعليه، فإن عدم مشاركتها في ترتيبات الحكم الانتقالي يُعدّ إجراءً ضرورياً لحماية مصداقية الانتقال، ومنع إعادة إنتاج أنماط الهيمنة السابقة، إلى أن تستوفي شروط الاندماج في المشروع الوطني على أسس جديدة.
ب. الموقف من قيادتي الجيش والدعم السريع وحلفائهما
ومن زاوية إدارة الصراع، يقتضي هذا الإطار الانتقال من مفهوم “الحياد المطلق” بين معسكري الحرب إلى “الحياد الإيجابي”، القائم على تقييم سلوك طرفي النزاع وفق مدى استجابتهما لمتطلبات وقف الحرب، والانخراط في الإصلاح الأمني، والخضوع للسلطة المدنية. وبموجب هذا المنهج، لا يُفهم الحياد بوصفه توازناً سلبياً بين الأطراف، بل أداة ضغط معيارية تُكافئ التجاوب وتُعاقب التعنت، بما يسهم في إعادة تشكيل الحوافز باتجاه السلام.
وفي هذا السياق، يبرز معيار القبول بتحقيق دولي محايد يهدف إلى تحديد المسؤولية عن اندلاع الحرب، بوصف ذلك خطوة أساسية لتأسيس سردية وطنية قائمة على الحقائق، لا على روايات متنازعة. ومن شأن هذا المسار أن يضع الأساس لمساءلة عادلة تسهم في تفكيك منطق الإفلات من العقاب، دون أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية. أما المعيار الثاني، فيتعلق بالتعامل مع جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة ضمن إطار عدالة انتقالية واقعية، تستلهم التجارب المقارنة – مثل تجربة جنوب أفريقيا – بما يوازن بين متطلبات المحاسبة وفرص التوافق الوطني. ويُعد هذا التوازن ضرورياً لتهيئة البيئة السياسية لخروج المؤسسة العسكرية-الأمنية من مجالي السياسة والاقتصاد، وإعادة تعريف دورها على أسس مهنية خاضعة للسلطة المدنية الشرعية.
ويكتسب هذا التحول أهميته ضمن إطار مبادرة أوسع، تتكامل فيها الكتلة الوطنية مع كلٍّ من الرباعية والخماسية، بحيث يُعاد توظيف “الحياد الإيجابي” كجزء من آلية منسقة تجمع بين الشرعية الوطنية، وأدوات التأثير الجيوسياسي، والإسناد المؤسسي متعدد الأطراف، بما يعزز فرص إنهاء الحرب ويفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي مستدام.
وعليه، فإن هذه المقاربة لا تهدف إلى إلغاء الخلاف أو القفز عليه، بل إلى إعادة تنظيمه ضمن إطار سياسي قابل للإدارة، يقوم على معايير موضوعية تُعيد تعريف شروط المشاركة في المشروع الوطني. ومن خلال هذا الإطار، يصبح بالإمكان الانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق التنافس المنظم، وهو شرط أساسي لإعادة بناء الدولة وتحقيق انتقال مدني ديمقراطي مستدام.
خاتمة:
لا تنتقص ملاحظات د. الواثق من الأطروحة الأصلية، بل تدفعها خطوة إلى الأمام، عبر إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل المشروع الوطني من فكرة إلى قوة تاريخية فاعلة؟ وتُبيّن هذه القراءة أن التحدي المركزي في الحالة السودانية لا يكمن فقط ندرة الرؤى المحكمة، بل في القدرة على تحويلها إلى مسار سياسي منظم يربط بين الفكرة والفاعلية. الإجابة، كما حاولنا بيانها، تكمن في الجمع بين ثلاثة عناصر مترابطة: وضوح المفاهيم، وواقعية المسار، وقدرة الفاعلين. فبدون ضبط المفاهيم، تظل الأفكار عامة؛ وبدون مسار سياسي واضح، تظل الرؤى معلّقة؛ وبدون قوى قادرة على الفعل، تظل المشاريع حبراً على ورق. وفي هذا السياق، يوفّر الانتقال من “الكتلة المدنية الحرجة” إلى “الكتلة الوطنية” إطاراً عملياً لإعادة بناء المشروع الوطني، شريطة أن يستند إلى ميثاق جامع، وعقد اجتماعي واضح، ومسار متدرج يُعيد تشكيل توازنات القوة لصالح المجتمع.
غير أن نجاح هذا المسار يظل رهيناً بثلاثة شروط حاسمة: أولها، قدرة القوى المدنية على تجاوز التشتت وبناء كتلة ذات مصداقية تنظيمية وتمثيلية؛ وثانيها، ترسيخ مرجعية معيارية واضحة – مستمدة من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة – تُعيد تعريف شروط المشاركة السياسية، بما في ذلك إعادة مهنية المؤسسة العسكرية-الأمنية وخضوعها للسلطة المدنية؛ وثالثها، توظيف الإسناد الأممي والإقليمي كرافعة داعمة، لا كبديل عن الفاعلية الوطنية.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعريف المفاهيم بقدر ما يكمن في تجسيدها عملياً، عبر مسار تراكمي يربط بين المبادئ والبرامج، وبين الداخل والخارج، وبين الشرعية السياسية والشرعية الاقتصادية. فالسودان، في نهاية المطاف، لا يحتاج فقط إلى تصور لما بعد الحرب، بل إلى مشروع وطني قادر على حمل هذا التصور إلى أرض الواقع. وفي هذا الأفق، لا تمثّل “الكتلة الوطنية” مجرد تحالف سياسي موسّع، بل هي “العتبة الحاسمة” التي يمكن عندها الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس مدنية ديمقراطية مستدامة، تقوم على الشرعية، والمساءلة، والتنمية.
