السودان بين اختزال الخارج و تبسيط الداخل: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه إنهاء الحرب

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن يكتب 

في كل مرة يلوح فيها تحرك إقليمي جديد تجاه السودان، يتجدد الجدل القديم، هل نحن أمام محاولة لإنهاء الحرب، أم إعادة ترتيب السلطة؟ غير أن أخطر ما في هذا الجدل ليس اختلاف الإجابات، بل طبيعة السؤال نفسه، حين يُصاغ بطريقة تختزل أزمة معقدة في مشهد سياسي ضيق.

الحديث عن تحركات المملكة العربية السعودية، أو غيرها من القوى الإقليمية، باعتبارها مجرد إستدعاء لشخصيات مدنية بعينها مثل عمر الدقير، باكر فيصل، والواثق البرير للوقوف إلى جانب عبد الفتاح البرهان، قد يبدو تفسيرًا مغريًا في بساطته، لكنه في الحقيقة لا يفسر بقدر ما يُسَطِّح.

فالدول لا تتحرك بمنطق الإستدعاء الشخصي بقدر ما تتحرك وفق حسابات أوسع، أمن إقليمي مضطرب، خشية من إنهيار الدولة السودانية، مصالح في البحر الأحمر، و ضغوط دولية تسعى إلى احتواء الفوضى أكثر من سعيها لبناء سلام مستدام. في هذا السياق، يتركز المنظور غالبًا في إدارة الأزمة لا حلها، و ترجيح التوازن لا تغييره جذريًا. فهناك تقاطعًا واضحًا في بعض الملفات بين المملكة العربية السعودية و مصر، خصوصًا فيما يتعلق باستقرار الدولة السودانية، وبقاء مؤسساتها العسكرية

لكن، في منظور الداخل إختزل الأزمة في مؤامرة لإبقاء البرهان في السلطة لا يقل تبسيطًا. فهو يعيد إنتاج المنطق نفسه، البحث عن مركز واحد يفسر كل شيء، في حين أن السودان اليوم يعيش أزمة متعددة المستويات لا يمكن ردّها إلى فاعل واحد أو قرار واحد.

الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع بين عسكريين و مدنيين، و لا حتى بين جيش و قوات موازية، بل تحولت إلى تعبير عن أزمة أعمق، أزمة دولة لم تكتمل، و نخبة لم تتفق، و مجتمع لم يُنصف.

أزمة مركز وهيمنة تاريخية مقابل هوامش مهمشة تشكلت حوله مصالح عابرة للسياسة،انقسام مدني حاد أضعف أي جبهة ديمقراطية ممكنة،

تدخلات إقليمية ودولية تتقاطع دون أن تتطابق.

ضمن هذا التعقيد، تصبح أي محاولة لإعادة صياغة المشهد عبر تحالفات نخبوية مهما كانت نواياها محكومة بخطر إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها. فالمشكلة في السودان لم تكن يومًا فقط في من يحكم؟، بل في كيف يُحكم؟، و لصالح من؟.

ومن هنا، فإن استخدام توصيفات مثل “أبناء الجلابة”، رغم ما تحمله من تعبير عن مظالم تاريخية حقيقية، قد يتحول من أداة نقد إلى أداة استقطاب، إذا لم يُستخدم بحذر. فإعادة تعريف الصراع على أساس هوياتي صلب قد تغلق الأفق أمام أي مشروع وطني جامع، و تعيد إنتاج خطوط الانقسام بدل تجاوزها.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في رفض أو قبول أي مبادرة إقليمية، بل في القدرة على فرض أجندة سودانية مستقلة تعيد تعريف الحل من جذوره. أجندة تعترف بتعقيد الأزمة، و تضع أسسًا جديدة للشرعية السياسية، خارج معادلة العسكر / النخب المدنية.

السلام المستدام في السودان لن يُبنى عبر صفقات تعيد توزيع السلطة داخل نفس الدائرة، بل عبر تفكيك هذه الدائرة و توسيع قاعدة المشاركة، لإعادة بناء الدولة على أسس عادلة، و ربط السياسة بمطالب الناس لا بتوازنات المصالح.

أما الرهان على أن تغيير بعض الوجوه أو إعادة هندسة التحالفات لإنهاء الحرب، فهو رهان أثبت فشله مرارًا.

غير أن أي نقاش جاد حول مستقبل السودان يظل ناقصًا ما لم يضع قضايا الهامش في قلبه لا على هامشه. فالصراع في جوهره ليس فقط على من يسيطر على السلطة، بل على كيفية توزيعها، و كيف تُعاد صياغة علاقتها بالثروة و الموارد. لعقود، قسمت السلطة و الثروة بين المركز و النخب، بينما ظلت أقاليم واسعة تعاني من التهميش البنيوي، و هو ما غذّى النزاعات المسلحة و أضعف الإحساس بالانتماء الوطني. من هنا تبرز مسألة الحكم الفيدرالي ليس كشعار سياسي، بل كمدخل لإعادة توزيع السلطة فعليًا، بما يضمن مشاركة عادلة للأقاليم في اتخاذ القرار. كذلك، تظل قضية الهوية من أكثر القضايا تعقيدًا، إذ لم ينجح السودان بعد في بناء تعريف جامع يتجاوز ثنائية العروبة و الأفريقانية، ويستوعب تعدده الثقافي و الإثني. أما علاقة الدين بالدولة، فهي الأخرى ظلت ساحة صراع مزمن بين مشاريع متناقضة، ما بين توظيف الدين سياسيًا، و الدعوة إلى دولة مدنية تقف على مسافة واحدة من الأديان. هذه القضايا، مجتمعة، ليست ملفات مؤجلة يمكن تجاوزها باتفاقات سياسية سريعة، بل هي جوهر الأزمة؛ وأي تسوية لا تواجهها بوضوح ستظل عرضة لتجدد الحروب بصورة أكثر ضراوة.