تمدد جغرافيا الحرب،،، يهدد بمحو ذاكرة التاريخ والتراث في الكيلي

نون كشكوش  تكتب ..

تُعدّ منطقة الكيلي، الواقعة في إقليم النيل الأزرق بالسودان بالقرب من الحدود الإثيوبية، من المناطق ذات الأهمية التاريخية والاستراتيجية البالغة، وقد أعلنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية قبل يومين سيطرتها عليها، ما أعاد تسليط الضوء على هذه المنطقة ذات الإرث العريق والحساس.

تمثل الكيلي موقعًا حدوديًا مهمًا في أعالي النيل الأزرق بجنوب الولاية، وتُعرف تاريخيًا باسم “مملكة الكيلي” أو عمودية الكيلي، وهي واحدة من الممالك القديمة التي ازدهرت عقب انهيار مملكة سنار الفونجية عام 1821، وتحمل إرثًا ثقافيًا وعسكريًا عريقًا. ويُعرف سكانها بأنهم من أحفاد العمارة دنقس، ولديهم موروثات حربية وتاريخية مهمة، من بينها السيوف والدروع القديمة، إضافة إلى عشرة نحاسات تاريخية يُقدّر عمرها بأكثر من ألف عام، تمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة المنطقة وتراثها الجمعي.

وتكتسب الكيلي أهمية استراتيجية خاصة بحكم موقعها الحدودي، ما جعلها مسرحًا حساسًا في ظل الحرب الدائرة منذ 15 أبريل، حيث تعرضت مناطق واسعة من السودان لعمليات نهب وتدمير ممنهج طالت المؤسسات الثقافية والمتاحف والممتلكات التراثية.

وفي هذا السياق، صدرت دراسة بحثية لتقييم الأضرار التي لحقت بالأصول الثقافية والفنية المعاصرة خلال الفترة من أبريل 2023 حتى أبريل 2024، أنجزها فريق من الفاعلين الثقافيين ضمن مجتمع فاعل (العمل للأمل) وبدعم من اليونسكو، حيث أوضحت الدراسة حجم الكارثة التي أصابت المؤسسات الثقافية والمتاحف في السودان نتيجة الحرب.

ورصدت الدراسة تضرر ستة متاحف بدرجات متفاوتة، يأتي في مقدمتها المتحف القومي، بينما تعرضت بقية المواقع لأضرار بالغة، كما تأثرت مؤسسات أخرى مثل المسح القومي ومتحف الفنان إبراهيم الصلحي بسبب الإهمال وضعف الأرشفة الرقمية.

إحصائيًا، بلغت نسبة الإتلاف والتخريب في قطاع المتاحف 33%، وفي الأرشيفات القومية 33%، بينما وصلت الحرائق إلى 52% من مجموع القطاعات، والسرقات إلى 43% من أصول وممتلكات المراكز الثقافية. كما تضررت 36% من المكتبات العامة ودور النشر، و41% من المجموعات الشخصية القيمة، حيث تعرض نحو 40% منها للتدمير الجزئي أو الكامل.

وبيّنت الدراسة نسب الأضرار حسب كل قطاع، مثل المتاحف، والمسح، والسينما، والموسيقى، والفنون التشكيلية والبصرية، ومؤسسات الإذاعة والتلفزيون، والأرشيفات القومية، والمكتبات العامة، والمراكز الثقافية، والمجموعات الشخصية القيمة، موضحة أنواع الضرر مثل النهب، والتلف، والحرق، والتدمير، والفقد، والضرر الجزئي.

إن نهب وإتلاف المتاحف والممتلكات الثقافية يُعد جريمة حرب ممنهجة، كما حدث سابقًا في العراق وسوريا وليبيا، إذ غالبًا ما تستهدف هذه الجرائم موروثات المجتمعات وتاريخها وهويتها، كما أن تقاعس الأطراف المتحاربة عن حماية هذه المواقع يسهم بصورة مباشرة في تعميق هذه الخسائر.

وتُعد حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة مبدأً أساسيًا في القانون الدولي الإنساني، انطلاقًا من اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تؤكد أن الإضرار بأي ممتلك ثقافي لشعب ما يمس التراث الثقافي للإنسانية جمعاء.

وتشمل هذه الحماية اعتبار الممتلكات الثقافية جزءًا من الممتلكات المدنية التي يُحظر استهدافها، إضافة إلى حماية خاصة تفرض الامتناع عن مهاجمتها أو استخدامها لأغراض عسكرية، إلا في حالات الضرورة العسكرية الملحّة.

كما تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ تدابير وقائية لحفظ تراثها، وحماية الممتلكات الثقافية في الأراضي المحتلة من النهب أو التدمير، مع ضمان إعادتها بعد انتهاء النزاع. وقد تم اتخاذ هذا الإجراء الاحترازي في متحف سنار عبر أرشفة محتويات المتحف ونقلها إلى مكان آمن.

وقد حدّدت اتفاقية لاهاي إطارًا قانونيًا واضحًا منذ أكثر من خمسين عامًا، وتعززت هذه الحماية بالبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، إضافة إلى البروتوكول الإضافي الملحق بالاتفاقية ذاتها عام 1999.

وتضطلع منظمة اليونسكو بدور رئيسي في مراقبة تنفيذ هذه الحماية وصون التراث الثقافي العالمي وتقديم المساعدة الفنية والدعم اللازم.

كما ألزم القانون الدولي الأطراف المتحاربة بالامتناع عن استخدام الممتلكات الثقافية ومحيطها في أهداف عسكرية، وأوجب اتخاذ تدابير وقائية قبل وقوع المعارك بنقلها إلى أماكن آمنة، مع الالتزام بإرجاعها بعد انتهاء الحرب.

ويمكن وضع الشارة الزرقاء على الأماكن الثقافية، وهي علامة متفق عليها دوليًا لحماية هذه الممتلكات، كما يُعد أي تعدٍّ على هذه المتاحف جريمة حرب وفقًا لميثاق روما والقوانين الوطنية أيضًا.

وتتنوع آليات استرجاع التحف والممتلكات الثقافية بحسب طبيعة النزاع، سواء كان مسلحًا أو مدنيًا أو ذا طابع دولي أو محلي، وتشمل مسارات قانونية دولية إلى جانب وسائل بديلة لتسوية النزاعات.

ففي حالات النزاعات المسلحة والتهريب الدولي، تُعد اتفاقية لاهاي لعام 1954 الإطار الأساسي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء الحروب والاحتلال، حيث تُلزم الدول بحماية الآثار والعمل على إعادة المنهوب منها، بينما تسهم اتفاقية اليونسكو لعام 1970 في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ومنع تصديرها أو نقل ملكيتها بطرق غير قانونية.

كما يُلجأ إلى القضاء المحلي أو الدولي لرفع دعاوى ضد الحائزين غير الشرعيين واسترداد الحقوق.

أما في النزاعات المدنية والخاصة، فتُعد الوسائل البديلة أكثر فعالية وسرعة، مثل التفاوض المباشر بين الأطراف، والوساطة عبر طرف محايد متخصص، وهي غالبًا الأكثر نجاحًا في هذا المجال.

وتبرز أيضًا الإجراءات الإدارية والفنية كعنصر حاسم في عملية الاسترجاع، مثل التوثيق الدقيق للقطع الأثرية عبر الصور وشهادات الملكية والسجلات الرسمية، إلى جانب تسجيلها ضمن قوائم الحماية المعززة للتراث الثقافي.

ويُعد هذا التوثيق خطوة أساسية لإثبات الملكية ودعم أي مطالبة قانونية مستقبلية، مما يجعل استرداد التحف عملية تجمع بين القانون والدبلوماسية والتوثيق المهني الدقيق.

وبالرجوع إلى منطقة الكيلي التاريخية، يصبح من الضروري تنبيه أطراف النزاع إلى عدم التعرض لمتحف الكيلي التاريخي، والعمل على حمايته من النهب أو التدمير، خاصة في ظل التصعيد العسكري
من الواجب علي الفاعلين الثقافيين خصوصا في إقليم النيل الأزرق، و كل من له معرفة وخبرة كبيرة في حماية التراث الثقافي والتاريخي في الظروف الصعبة، إطلاق نداءً عاجلًا لحماية متحف الكيلي التاريخي، باعتباره جزءًا أصيلًا من ذاكرة السودان الثقافية والتاريخية وحمايته مسؤولية إنسانية وتاريخية مشتركة.