اعادة تدوير الفشل.. حظر استيراد السلع سياسة “يائسة” لا توقف نزيف الجنيه ولا تعالج جذور الازمة

عبدالوهاب جمعه يكتب ..
في محاولة يائسة لكبح جماح انخفاض قيمة سعر صرف الجنيه مقابل العلات الاجنبية، عاد مجلس الوزراء إلى استنساخ تجربة فشلت سابقا، حين أصدر قرارا بحظر استيراد 46 سلعة بدعوى الحد من الطلب على العملات الأجنبية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نجحت مثل هذه القرارات في الماضي ليعاد اتخاذها اليوم؟ أم أنه مجرد مسكن يفاقم من الأزمة بدلا من حلها؟
بالنظرة الى التاريخ، خصوصا “التاريخ الاقتصادي” للسودان منذ انفصال جنوب السودان عن الدولة الام عام 2011 يقدم إجابة قاطعة: سياسات الحظر لم تنجح أبدا في تحقيق الاستقرار النقدي، لأنها تعالج الاعراض وليس المرض.
فشل حظر السلع من قبل ولعل السودانيين يذكرون قائمة السلع المحظورة التي اعلنتها الحكومة عقب انفصال جنوب السودان في 2011 والتي تسببت في موجة عكسية من ارتفاع سعر صرف الجنيه وتفاقم معدلات التضخم.
خفض الطلب على العملة الأجنبية عبرسياسة حظر السلع يعني خلق دوامات متداخلة وعويصة حيث أن كثير من السلع المحظورة من قبيل المواد الخام للشركات و الأعلاف ضرورية لعملية الانتاج وإعادة البناء، فحظرها يحدث أزمة إنتاجية وقد يضطر المستهلكون والصناع لشرائها عبر قنوات غير رسمية وبالتالي ارتفاع سعر السلع المستوردة.
نقص المعروض من السلع المستوردة يؤدي إلى ارتفاع الأسعار محليا وبالتالي يدفع الى ارتفاع معدل التضخم والذي بدأ في التناقص في الفترة الماضية لكن الأسو هو خلق سوق أسود يفاقم حياة الناس.
لكن الاخطر من ذلك هو أن سعر الصرف يتحدد ليس بحظر الاستيراد وانما بجانب “العرض ” من العملات الاجنبية التي نحصل عليها من الصادرات و الاستثمار الأجنبي المباشر ومن تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، هنا نجد أن حظر السلع لا يعالج ضعف الصادرات أو عزوف الاستثمار الاجنبي المباشر او يسرع تحويلات المغرتبين السودانيين بالخارج.
بعبارة أخرى القرار ترك العقدة الحقيقية والمشكلة العويصة لكن ارتدادات قرار حظر السلع ستعود اشد وأكبر.
تناسى متخذي القرار أن الاستيراد هو الجناح الثاني للاقتصاد بجانب الصادرات، ولايمكن ان يحلق أي اقتصاد بجناح واحد. كما أن السلع المستوردة محركة للنمو والاسواق وبالتالي زيادة الايرادات الحكومية.
تجاهل متخذي القرار حقيقة اساسية واولية معروفة وهي الخلل الهيكلي في ” عملية الانتاج ” بالسودان بارتفاع اسعار السلع المحلية وضعف جودتها وعدم مرونتها حيث من الصعب استبدال بعض السلع المستوردة .
والأكثر خطورة أن القائمة المحظورة تضم سلعا ليس من الصعب إنتاجها محلياً فحسب، بل يستحيل تقريبا استبدالها في المرحلة الراهنة، مثل الأسمنت، والأعلاف، والمواد الخام للصناعات، والفول المصري، والأرز، ومواد إعادة الإعمار بعد الحرب. هذا التناقض يكشف أن سياسة الحظر ليست الحل، بل هي جزء من المشكلة.
تكرار تجربة حظر الاستيراد في السودان ليس إلا “اعادة تدوير” لقرارات اثبتت الايام فشلها بل أن هزاتها المرتدة على الاقتصاد السوداني كانت وخيمة، قرار حظر السلع الـ(46) هو استمرار لسياسة الحلول قصيرة المدى بدلا من معالجة الأسباب الاساسية لانخفاض قيمه الجنيه مقابل العملات الاجنبية وللخلل الهيكلي للاقتصاد السوداني.
حظر استيراد السلع الـ(46) أشبه بمسكن مؤقت يخفي الأعراض دون معالجة الجذور، الحل الحقيقي يبدأ من إصلاح السياسات النقدية، وتحفيز الاستثمار المباشر، وتنويع الصادرات وجعلها ذات جاذبية ومنافسة في السعر والجودة وجذب تحويلات المغتربين بآليات مبتكرة.