السودان لا يمكنه الانتظار!

الشفيع خضر يكتب

مرة أخرى، أتشرف باستضافة المثقفة الألمانية مارينا بيتر، خبيرة التعليم المشترك بين الثقافات، وأنشر أدناه النص الذي وصلني منها، وهو بعنوان «السودان لا يمكنه الانتظار! تأملات موجزة حول مؤتمر برلين الخاص بالسودان».
قبل مؤتمر برلين حول السودان، هل حقا كانت الأنظار تتجه إلى الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب واتساع رقعتها في جميع أنحاء السودان، وإلى المؤتمر والفعاليات المصاحبة له؟ بالطبع لا. ولكن على الأقل، بعد مرور خمسة أشهر على المجازر المروعة التي تُعد جرائم حرب في الفاشر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عاد بعض الاهتمام الدولي إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، وذلك رغم الحرب الجديدة في إيران، ورغم هيمنة الخطاب السياسي الأمريكي غير المسؤول وغير الإنساني على الأخبار. يمكننا اعتبار ذلك نجاحاً، إذ لا يزال العديد من السودانيين يشعرون، وبحق، بأنهم منسيون وسط معاناتهم الهائلة، وهم ينعون قتلاهم، ويتعرضون للاغتصاب والقصف والتشريد، ويُحرمون من المساعدات الإنسانية، وينتظرون بيأس وجبة واحدة على الأقل ورعاية طبية ممكنة. فيا ترى، هل ستتم حمايتهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية الآن بعد مؤتمر برلين؟ من المناسب التشكيك في ذلك، رغم تعهد المؤتمرين بتقديم 1.5 مليار دولار. أولا، تُظهر التجربة أن تقديم التعهدات أمر سهل، لكن كثيرين ينسون لاحقاً تحويل هذه التعهدات فعلياً.
ثانياً، حتى المبالغ التي تم التعهد بها ستستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى الحسابات، ناهيك عن وصولها إلى المنظمات على الأرض. ثالثا، تواصل جميع أطراف النزاع بشكل منهجي إعاقة وصول المساعدات الإنسانية، وحتى عندما تسمح بها، تعقّد الإجراءات البيروقراطية وترفع تكلفتها للغاية. رابعا، وهو الأهم، يجب ملاحظة أن بعض المجموعات السودانية العاملة على الأرض، والتي تمكنت من إنقاذ الأرواح خلال السنوات الثلاث الماضية بطرق مبتكرة، وأثبتت قدرتها على تلبية المعايير الدولية للمساءلة، كانت حاضرة في المؤتمر. ولكن، باستثناء اثنين، لم يُشر أي من أكثر من 70 ممثلاً للدول والمنظمات إلى ورقة النقاش التي شاركها المضيفون رسمياً بشأن تعزيز الجهات المحلية وتخصيص التمويل المباشر لها. وفي المؤتمر، طالبت غرف الطوارئ بتوجيه 15٪ من جميع التعهدات إلى من يمكنهم فعلاً تقديم المساعدة في هذا الوضع المأساوي، لكن لم يعلق أحد على هذا الطلب، فضلاً عن تبنيه.

منظمات المجتمع المدني السوداني، وأيضا تنظيمات النساء والشباب، أعلنت بوضوح أن قمة أولوياتها وقف إطلاق النار وتحقيق السلام، وطالبت بأن تكون أصواتها حاضرة في جميع الاجتماعات والمفاوضات، كما طالبت بتوفير الحماية ومحاسبة كل من ارتكب جريمة في الحرب الجارية. وتم التعبير عن هذه المطالبات بطرق متعددة خلال الفعاليات الجانبية المصاحبة لمؤتمر برلين. ففي فعالية رسمية نظتمها الآلية الخماسية (الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي، جامعة الدول العربية، منظمة الإيغاد، والأمم المتحدة)، اجتمع أربعون ممثلاً عن منظمات المجتمع المدني السودانية وتمكنوا من إصدار بيان مشترك من أجل السلام. وهذا بلا شك نجاح آخر، خاصة أنهم، على عكس الجزء الثالث من المؤتمر (الاجتماع الوزاري)، تمكنوا من الاتفاق على شيء رغم خلافاتهم الحادة. لكن عدة اتهامات أثيرت حول هذا الاجتماع، حيث تم اختيار المشاركين فيه بعناية ودون إعلان المعايير التي استند إليها هذا الاختيار، مما أثار الشكوك، خاصة لدى من يشعرون بالإقصاء وعدم التمثيل. فلنجاح أي عمليات من أجل السلام، هناك حاجة إلى قدر أكبر من الشفافية والشمول.

وأما المسار الرئيسي في المؤتمر، أي الاجتماع الوزاري، فالسودانيون على الأرض، وكثيرون غيرهم، وربما بدافع اليأس، علقوا آمالاً كبيرة عليه، رغم كل محاولات إدارة التوقعات من قبل المضيفين قبل المؤتمر. ولكن، وكما حدث في لندن العام الماضي، لم يتمكن الوزراء من مختلف أنحاء العالم من الاتفاق على بيان مشترك حول حرب السودان. هل كان بيان وزاري مشترك سيساعد، لو وقّع عليه أيضاً من يمدون الأطراف بالسلاح والطائرات المسيّرة والدعم الآخر، مع الدعوة لوقف تجارة السلاح كما حدث في باريس قبل عامين؟ ربما لا، لكنه كان سيشكل إشارة مهمة. على الأقل، أصدر المضيفون بياناً يستحق القراءة، والأهم، التنفيذ.

السودانيون وكل من يهتم لأمرهم لا يريدون المزيد من الكلمات، بل يريدون أفعالاً. وقد كرر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، أمام المسار الإنساني في المؤتمر ما قاله مراراً عن فشل المجتمع الدولي في السودان. كما أبدت وزيرة الدولة في وزارة الخارجية الألمانية، التزاماً واضحاً تجاه السودان، مؤكدة استعدادها لتعزيز جهود المساعدات الإنسانية والمساهمة في تحقيق السلام بعد المؤتمر.

أعتقد، يجب أن يترافق ذلك، في ألمانيا وعلى الصعيد الدولي، مع: 1-ممارسة الضغط على أطراف النزاع وكل من يدعمهم من الخارج دون استثناء. 2-إيجاد طرق لحماية المدنيين بكل الوسائل الممكنة أينما كانوا. 3-دعم الفاعلين المحليين مباشرة، بما في ذلك تخصيص 15٪ من التمويل لهم. 4-الاتفاق على حظر شامل للأسلحة على مستوى البلاد. 5-عدم السماح للإمارات بعد الآن بالتحدث في المحافل العامة عن المعاناة الإنسانية التي ساهمت فيها إلى حد كبير من خلال الأسلحة التي قدمتها، كما فعلت مرة أخرى في المؤتمر. 6-عدم الصمت إزاء قيام مصر باعتقال وترحيل السودانيين المحتمين بها والواقعين تحت رعايتها. 7-محاسبة مجرمي الحرب أمام المحاكم ابتداءً من الآن. 8-وقف تجارة الذهب غير المشروعة التي تملأ جيوب أمراء الحرب، ومتابعة الاتهامات بأن شركات أجنبية تشتري هذا الذهب، مثل فولكسفاغن، وفق تحقيق حديث، وتجميد الحسابات المرتبطة بذلك. 9-وضع أصوات السودانيين في قلب كل الجهود، ودعم كل السبل التي تمكّنهم من اللقاء والنقاش.

لا يمكن للسودانيين انتظار مؤتمر آخر. الناس في كردفان يعيشون تحت الحصار كما كانوا في الفاشر العام الماضي. لا مزيد من دموع التماسيح، بل تحرك حاسم الآن.