السودان على مفترق طرق.. بين تكلفة الحرب وآفاق “النهوض”
قراءة:عبدالوهاب جمعه
في الذكرى الثالثة لاندلاع النزاع المسلح في السودان، يقدم تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية مرآة قاسية لواقع بلد كان يعاني أساسا من هشاشة هيكلية، قبل أن تدفعه الحرب إلى حافة
الانهيار الإنساني والاقتصادي.
لكن التقريرالموسوم ” ما وراء النزاع: رسم طريق النمو والتنمية المستدامة في السودان” لا يكتفي برصد الكارثة، بل يرسم ثلاثة مسارات مستقبلية، ويضع بين يدي صانعي القرار خريطة طريق لتحويل المأساة إلى فرصة للتحول.
الرقم الذي يحكي قصة جيل ضائع
6.9 مليون سوداني دُفعوا إلى الفقر المدقع في عام واحد فقط (2023). هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو تجسيد لجيل كامل سُلبت منه أبسط مقومات الكرامة: الغذاء، والدواء، والتعليم، والأمن. وانخفاض نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات عام 1992 يعني أن السودان لم يخسر ثلاث سنوات من النمو فحسب، بل تراجع عقودا إلى الوراء.
والأكثر إيلاما هو “الندبة الديموغرافية”: 19 مليون طفل محرومون من التعليم. هذه ليست أزمة مؤقتة، بل هي استثمار سلبي في المستقبل، سيُترجم إلى قوة عمل أقل مهارة، وإنتاجية منخفضة، ومجتمع أكثر عرضة للتطرف والعنف. عندما تحرق الجامعات وتنهب، لا تدمر المباني فحسب، بل تحرق أحلام أمة.
ثلاثة روى للمستقبل: أيها نختار؟
قوة التقرير تكمن في منهجيته التنبؤية. فهو لا يصف الواقع فحسب، بل يضع ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الاول: النزاع الممتد حتى العام 2030:
وفق هذا السيناريو فانه “كابوس اقتصادي وإنساني” و خسارة تراكمية في الناتج المحلي تبلغ 34.5 مليار دولار، و34 مليون شخص إضافي في الفقر المدقع. في هذا المسار، يصبح السودان دولة فاشلة بامتياز، تعتمد كلياً على المساعدات الخارجية، وتفقد سيادتها الاقتصادية.
السيناريو الثاني: المسار الحالي بتحقق السلام في 2026 لكن دون تحول:
هنا يظهر السيناريو وجود سلام هش لا يلامس جذور الأزمة. تعافي بطيء وغير كاف، حيث يظل نصيب الفرد من الدخل دون مستويات ما قبل الحرب حتى عام 2043. الفقر المدقع يظل عند 38.8%، وتفوت السودان أهداف التنمية المستدامة. هذا السيناريو هو “الحد الأدنى” الذي لا يكفي لبناء دولة.
السيناريو الثالث: سيناريو “السودان الناهض” :
هنا يحدث السلام مع تحول هيكلي منسق، هذا السيناريو يظهر أمل جديد للسودان، عندما يقترن وقف إطلاق النار بإصلاحات هيكلية في الحوكمة، والزراعة، والتعليم، والبنية التحتية، يمكن للسودان ليس فقط التعافي، بل القفز إلى الأمام. نمو اقتصادي بنسبة 5% سنوياً، وانتشال 17.3 مليون شخص من الفقر، وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 77.3 سنة. هذه ليست أحلاماً وردية، بل نتائج قابلة للتحقيق إذا وُجدت الإرادة السياسية والشراكة الدولية الفاعلة.
الزراعة والحوكمة: رافعتا التغيير
يظهر التقرير نقطة محورية: أكبر أثر للفقر يمكن تحقيقه يأتي من قطاعين متلازمين: الزراعة والحوكمة.
يوضح التقرير أن السودان يمتلك 19.8 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، ومياه النيل، وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر. لكن هذه الموارد لا تترجم تلقائيا إلى رخاء. هنا يأتي دور الحوكمة: مؤسسات شفافة، وسيادة قانون، وبيئة جاذبة للاستثمار هي التي تحوّل الإمكانات إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل، والدخل إلى تنمية.
هذه النقطة التي ترد في التقرير تظهر قوة “العلاقة التبادلية” عبر حوكمة رشيدة تشجع الاستثمار الزراعي، وزراعة منتجة تولد إيرادات تدعم مؤسسات الدولة. هذا التكامل هو مفتاح كسر حلقة الفقر والهشاشة.
الانتقال من الاغاثي الى الانمائي
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لا يزال التركيز الدولي منصباً على المساعدات الإنسانية الطارئة – وهي ضرورة لا غنى عنها لإنقاذ الأرواح. لكن التقرير يذكرنا بأن الإغاثة وحدها لا تبني دولا.
المجتمع الدولي مدعو للانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “الاستثمار في السلام”. وهذا يعني ربط المساعدات بالإصلاح بدعم البرامج التي تعزز الحوكمة المحلية، وتمكين المرأة، وإعادة إدماج النازحين.
بجانب تمويل البنية التحتية الصغيرة من قبيل مشاريع الطاقة النظيفة، والمياه، والصرف الصحي التي تحدث أثرا ملموسا في حياة المجتمعات وتعزز الثقة في الدولة.
ويجب دعم القطاع الخاص السوداني وتسهيل وصول المنتجات السودانية إلى الأسواق الإقليمية، وجذب استثمارات في الزراعة والتصنيع الغذائي. لكن لا يجب أن ننسى الاستثمار في رأس المال البشري عبر برامج تعليمية وتدريبية مرنة تصل إلى النازحين واللاجئين، وتحافظ على المهارات حتى عودة السلام.
قوة السودان الناعمة : دروس عميقة
محتوى التقرير يحمل للعالم “قصة السودان في دروس أعمق”، فالبلد الذي يمتلك مقومات القوة الناعمة من الأرض، والمياه، والموقع، والشباب يذكرنا بأن الموارد الطبيعية ليست ضماناً للاستقرار، بل هي اختبار للإدارة والحكمة.
وفي وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية كبرى، يمكن للسودان المستقر أن يلعب دور الجسر بين أفريقيا والعالم العربي، ومركزاً للأمن الغذائي ، وشريكاً في أمن البحر الأحمر. لكن هذا الدور مشروط بسلام عادل وشامل، لا يستثني أحدا، ويعيد بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة والعدالة.
الأمل خيار استراتيجي
الجمل والعبارات الواردة في التقرير تحمل الأمل كخيار استراتيجي لكن التقرير الأممي واضح في لغته: ” المسار ليس قدرا”، فالفرق بين سيناريو الكارثة وسيناريو الصعود هو 51 مليون إنسان، إما دفع 34 مليونا إلى دائرة الفقر، أو انتشال 17 مليوناً من حلقة الفقر.
بعبارة اخرى السودان اليوم يشبه مريضا حالته حرجة في غرفة العناية المركزة لكن أعضاءه الحيوية لم تتلف بعد.. الأرض خصبة، والشباب متحمس، والخبرات موجودة في الداخل والمهجر، لكن ما ينقص هو الوصفة العلاجية الصحيحة، والطاقم الطبي الماهر، والوقت الكافي للتعافي.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركاؤه يقدمون جزءا من هذه الوصفة. لكن الوصفة الكاملة تتطلب شيئا لا تملكه المنظمات الدولية وهي الإرادة السودانية الجامعة الملتفة حول السلام والإصلاح، وبناء دولة تحترم كرامة كل مواطن.
في النهاية، السؤال ليس هو هل يمكن للسودان أن يصعد او يفشل؟ وانما السؤال الحقيقي هو هل نحن كسودانيين وعرب وأفارقة ومجتمع دولي على استعداد لاستثمار الأمل قبل فوات الأوان؟
الاجابة على هذا السؤال لن تكتب على صفحات تقارير الامم المتحدة وانما الاجابة عند السودانيين في الحقول والمصانع وفصول الدراسة وفق ارادة السودانيين انفسهم وليس عبر آخرون.
