البرهان وبوتين.. من يربح الصفقة ومن يدفع الثمن؟

نبض قلم

عادل تاج الدين جار النبي يكتب..

بينما ينتظر السودانيون خبراً يبعث الأمل في وقف الحرب والعودة إلى ديارهم، حمل الفريق أول عبد الفتاح البرهان ملفاته إلى موسكو، بحثاً عن تفاهمات جديدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. زيارة تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما يمكن أن يجنيه السودان منها، وما قد يدفعه مقابل ذلك، في وقت لم يعد فيه المواطن يحتمل المزيد من الخسائر.
لا أحد يعترض على أن تكون للسودان علاقات قوية مع روسيا أو غيرها، فالدول لا تعيش بمعزل عن العالم، والمصالح المشتركة أساس العلاقات الدولية. لكن ما يستحق التوقف عنده هو توقيت الزيارة وطبيعة الملفات المطروحة، وما إذا كانت تخدم السودان بوصفه دولة، أم تلبي احتياجات السلطة في معركتها الراهنة.
فروسيا تعرف جيداً ما تريده من السودان؛ موقع مهم على البحر الأحمر، وثروات معدنية، وفرص لتوسيع نفوذها في أفريقيا. أما البرهان، فيبحث عن دعم سياسي ودبلوماسي يعزز موقفه في حرب طالت أكثر مما توقع الجميع. وبين حسابات الطرفين يقف السودان، بموارده ومستقبله، أمام احتمالات لا تخلو من المخاطر.
ولعل ما يثير القلق هو الحديث عن استثمارات في الذهب والمعادن ومشروعات على ساحل البحر الأحمر، بينما تغيب المؤسسات المنتخبة التي يفترض أن تراجع مثل هذه التفاهمات. فهل من الحكمة اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى في ظل ظروف استثنائية؟ ومن يضمن ألا تتحول احتياجات اليوم إلى التزامات تثقل كاهل الأجيال القادمة؟
والحقيقة أن المشكلة ليست في موسكو وحدها. فقد اعتاد السودان، منذ استقلاله، أن يبحث حكامه عن سند خارجي كلما اشتدت أزماتهم الداخلية. تتبدل العواصم والحلفاء، لكن أزمات الحكم تبقى، لأن الدعم الخارجي قد يسند سلطة، لكنه لا يعالج خللاً في بنية الدولة.
ولذلك، فإن المطلوب ليس إغلاق الأبواب أمام روسيا، بل إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، وكشف طبيعة الاتفاقيات، وإخضاع الموارد الوطنية لرقابة مؤسسات مستقلة، وتأجيل أي التزامات تمس السيادة إلى حين قيام سلطة دستورية مفوضة.
وقبل ذلك كله، لا بد من وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة، تعيد الحكم إلى مؤسسات مدنية شرعية، وتؤسس لجيش وطني مهني واحد بعيداً عن صراعات السلطة.
قد يعود البرهان من موسكو بوعود ومكاسب، لكن السوداني الذي فقد بيته ومصدر رزقه لن تعنيه صور المصافحات بقدر ما يعنيه أن يجد طريقاً آمناً للعودة إلى حياته.
فالسودان لا تنقصه العواصم التي يطرق أبوابها حكامه، وإنما تنقصه الإرادة التي تفتح أبواب السلام لأهله.
ويبقى السؤال: من يربح من هذه التحالفات، ومن يدفع ثمنها؟ وهل يعود البرهان من موسكو بما ينقذ السودان، أم بما يعزز موقعه في حرب أنهكت
الجميع؟