كلا، إنها تذكرة فقط؟
الجميل الفاضل يكتب..
ثمة سكرةٌ لا تستفيق منها الرؤوس إلا على شفير الهاوية؛ سكرةٌ تنسجها السلطة عندما تتوّج صاحبها بما لا يستحق، ويصنعها المال حين يمدّ ظله حتى يحجب الشمس، فيتوهم الإنسان أن اتساع ما في يده اتساعٌ في مقامه، وأن طول قامته في عيون الناس قد غيّر شيئاً من طينته الأولى.
من تلك الغفلة المذهّبة للعقل يبدأ الطغيان، ذلك الذي نرى اليوم بعض نماذجه شاخصةً في بلادنا للعيان.
إذ لم يحتج العليم الحكيم إلى أكثر من ومضةٍ واحدةٍ ليضع إصبعه على الجرح الأول في النفس البشرية:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
كأن الطغيان لم يكن سوى أن ينسى الإنسان أنه محتاج، وأن يرى في العارية ملكاً، وفي الإمهال ضماناً، وفي اتساع القبضة اتساعاً في القدرة.
يخلع فقره الأصلي، ويلبس كبرياءً لا يناسب جسده البشري، وينسى أن اليد التي فتحت له أبواب البداية لم تفوّضه في كتابة النهاية أيًا كانت.
هكذا كان فرعون، ضاقت عليه حدود الإنسان فاتسع به الوهم حتى صاح:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾.
يا لغرابة الإنسان حين يصدّق انعكاس صورته في مرايا الخائفين، ويا لوحشة العظمة حين لا تجد من يردّها إلى أصلها.
كان النيل يجري تحت قدميه قبل أن يصير شاهداً على انفلاقه، وكانت الأرض تنحني لخطاه فإذا بالماء يطبق عليه من كل الجهات. إذ في تلك اللحظة التي انحسر فيها ملكه الدنيوي، انكشفت له حقيقةٌ عجزت سنوات الجبروت كلها أن تحجبها، فقال:
﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾.
لكن هيهات.. فقد جاء الاعتراف على الضفة الأخرى من نهر القدر، حين لم يعد للنجاة باب، ولا للزمن بقيةٌ تُستدرك.
غير أن الحكمة لم تترك الإنسان معلّقاً بين نشوة الامتلاك وهاوية السقوط، بل وضعت على طريقه مصباحاً صغيراً أوسع من ممالك الأرض كلها.
إنها في ظني وصايا كبير أهل السودان التي يجهلها جنرالاته اليوم: لقمان، الذي لم يورث ابنه مفاتيح الخزائن، وإنما علّمنا عبره كيف يحفظ المرء مفتاح نفسه:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾.
ألا ما أعمق هذه الوصايا حين تُقرأ ببصيرة الروح: وجهٌ لا يتعالى، وخطوةٌ لا تتبختر، وصوتٌ لا يستمد علوّه من خواء صاحبه.
كأن الحكمة تريد أن تعيد الإنسان إلى الأرض، لا ليدفن فيها، لكن ليتعلم كيف يمشي عليها دون أن يجرح تواضعها.
فالأرض التي تحمل الطغاة هي نفسها التي تحمل هؤلاء العابرين، بيد أنها لا تنحني لأحد منهم، وإن توهم بعض الماشين فوقها أنهم صاروا فوق قانونها الأزلي.
غير أن للإنسان موعداً آخر مع نفسه؛ موعداً تسقط فيه المسافات بين الظاهر والباطن، وتنكشف فيه الأشياء بلا حاجةٍ إلى مرايا.
وذلك هو بالطبع، الكشف.
فللكشف بابان: بابٌ يطرقه الإنسان من داخله حين يخلع عن عينيه أثواب الغفلة ويتواضع قبل أن يُردّ إلى التواضع، وبابٌ يُفتح عليه من حيث لا يدري حين تنقضي الفسحة الممنوحة له، فيصبح الغيب عياناً والندم بلا جهةٍ يعود إليها.
وبين البابين عمرٌ كامل.
﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.
يا لهذا الغطاء الذي قد يكون أرقّ من جناح فراشة وأثقل من جبل.
كيف يستطيع أن يحجب عن الإنسان حقيقة نفسه؟ يرى عرشه ولا يرى هشاشته، يرى الجموع من حوله، ولا يرى وحدته، ويرى ما تجمعه يداه، ولا يرى ما يتسرب من عمره.
ثم تأتي ثانيةٌ واحدة لا تزيد عن طرفة عين، فتتداعى مدن الوهم، وتنكسر مرايا التبجيل، ويستيقظ البصر على ما كان قائماً طوال الوقت، رغم أن صاحبه كان يأبى أن يراه.
هنا فقط يدرك كل متجبّرٍ متغطرسٍ أن ما حسبه صرحاً كان ظلاً، وأن ما حسبه خلوداً كان إمهالاً، وأن الذين كانوا يرفعونه فوق هامته لم يكونوا قادرين حينها على رفعه من قاع هذه الحقيقة المرة.
وهكذا لا يكون السقوط دائماً من علوّ المكان؛ فقد يسقط الإنسان من علوّ الوهم إلى قاع نفسه قبل أن يسقط جسده على التراب.
فيا طغاة السودان، ويا من ألبستكم الدنيا من زينتها حتى نسيتم مقاساتكم الأولى: تمهّلوا قليلاً أمام مراياكم الداخلية.
تذكّروا أن للتراب ذاكرة، وأن للسنن مواعيد، وأن ما يعلو اليوم ليس معفياً من قانون الهبوط.
تخفّفوا من أثقال أسمائكم ورتبكم الرنانة، وأعيدوا إلى وجوهكم ملامحها الإنسانية، وإلى خطواتكم إيقاعها الأرضي، وإلى أصواتكم مقدارها من الصمت.
فليس المجد للبندقية، ولا لأن تملك ما لا يملكه الآخرون، بل المجد ألا يستعبدك ما ملكت.
وليس العلو أن ترتفع فوق الناس، إنما أن تنجو من الوهم الذي يجعلك ترى نفسك فوقهم.
ولذلك، قبل أن ينكشف عنكم الغطاء، اكشفوه أنتم بأيدكم.
وقبل أن تُسلب منكم فرصة الرؤية، تعلّموا أن تتبصروا قبل فوات الأوان.
وقبل أن تبلغوا الثانية التي لا ثانية بعدها، تذكّروا أن أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان في هذه الحياة ليس ذروة السلطان، ولا قمة الثراء، ولا أقصى مدارج النفوذ، ولا ما ورد في أحلام الأباء، لكنها تلك اللحظة التي يرى فيها المرء نفسه كما هي: عبداً لا يملك من أمره إلا ما أُذن له به، وعابراً لا يحمل معه من هذه الدنيا إلا أثر ما كان عليه.
المهم، فما أبعد المسافة بين من يخلع كبرياءه ساجداً، ومن يُخلع عنه غطاؤه واقفاً على حافة النهاية.
الأول أبصر في زمن الاختيار، والثاني ذهل حين صار البصر حديداً، ولم يعد في العمر متسعٌ لحياةٍ أخرى جديدة.
