وانكشفت عورة الحوار

محمد عبدالله كندشة  يكتب ..

كنا نظن، وبعض الظن إثم، أن الحوار السوداني – السوداني قد يحمل شيئًا من الجِدّة، أو يأتي مختلفًا عن سابقه، لكن ظننا خاب. لقد تبيّن أنه ليس إلا نسخة مكررة من حوار الوثبة سيئ الذكر في عهد المخلوع، بل هو مسخ مشوه ورديء، أردأ من الوثبة بمراحل، وأكثر منها ابتذالًا وتفاهة.

على مضض شديد، وابتلاعٍ للمرارة، تقبّلنا مشاركة “غاضبون” في الحوار، ولكن يبقى تسويق هذه المجموعة على أنها الممثل الشرعي للثورة والمُعبّر عن أشواقها وتطلعاتها، أمرًا غير مبلوع وعصيًا على الهضم. فموقف “غاضبون” لا يُمثل إلا أنفسهم، ولا يعني إلا من بايعهم، ولا يمت بصلة لملايين الثوار الصامدين المرابطين على عهود الشهداء، القابضين على جمر القضية، الذين لا يزالون ينتظرون القصاص العادل لدماء ضحايا فض الاعتصام، ولأرواح المئات من الشهداء الذين سقطوا غدرًا برصاص عسكر البرهان بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر المشوؤم .

ولم نكد نفيق من صدمة “غاضبون”، حتى فُجعنا بقربان جديد يُقدّمه سماسرة الثورة والمنتفعون باسمها لحوار الطرشان؛ إذ قدموا ما يُسمى بكتائب ظل البمبان كجسم ثوري ضخم، وهو في حقيقته لا يعدو أن يكون قزمًا في دروب الثورة، محدود الرصيد. إن محاولة فبركة وخلق أجسام وهمية كرتونية، لا وزن لها في الشارع ومحدودة الأثر في الميدان، للإيحاء بأن الثورة قد دخلت خندق الحوار وباركته، ليست إلا محاولة بائسة ويائسة ومفضوحة، صادرة عن ثوار انتحروا ثوريًا وأخلاقيًا يوم قرروا مبايعة البرهان.

وهو [نفس الزول]، لم يتغير؛ يده اليمنى لا تزال تقطر من دماء إخوانهم، ويده اليسرى لا تزال قابضة على ذات الخنجر المسموم خلف ظهره، بذات نصله الحاد، يتربص بهؤلاء المغفلين لينقض عليهم ويغرس خنجره في خاصرتهم متى ما سنحت له الفرصة وحانت لحظة الغدر، لقد اتضح جليًا أنهم [دخلوا حضن العسكر] طائعين مختارين، وخانوا عهد الشارع و [ادوهو قفاهم] غير آبهين بتضحياته، وباعوا نضالاتهم [بتراب القروش].

وهنا تحضرني تلك المقولة الخالدة التي كان يرددها المتفلتون من الثوار على أيام “قحت” وصارت لسان حال الشارع: [بكم بكم قحاتة باعوا الدم]. وهنا نسأل بمرارة: هل دماء شهداء فض الاعتصام أرخص ثمنًا من دماء شهداء ما بعد الانقلاب؟ وهل الدم يتجزأ؟ لعمري إن [طعم الشاي باليانسون لا يختلف]، فالدم هو الدم، والقاتل هو القاتل، والقصاص واحد لا يتجزأ. ثم ماذا لو أخرج “القحاتة” لسانهم ساخرين واستعاروا نفس المقولة وردوها عليهم؟.

ومن ازدواجية المعايير وسخرية الأقدار الموجعة، أن أولئك الذين كانت حناجرهم تصدح ليل نهار بهتاف [العسكر للثكنات والجنجويد ينحل]، هم أنفسهم اليوم من يتزلفون في زمرة العسكر، ويرتمون في أحضانهم، و [يلعقون بوت البرهان] طمعًا في فتات لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

ويعلم ثوار ديسمبر الأحرار، علم اليقين، أن هناك سماسرة ثورة ونخاسين جُددًا، ساقوا صبايا صغارًا مغررًا بهم تحت جنح الظلام إلى محرقة هذا الحوار العبثي، وباعوهم في سوق النخاسة السياسي بثمن بخس، دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين.

ويبقى السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى ذهن كل حصيف بعد أن قدمت ما تُسمى بكتائب ظل البمبان رؤيتها المزعومة: كم تبلغ عضوية هذا الجسم الهلامي؟ ومن أين يستمد شرعيته؟ وكيف تُتخذ القرارات داخله؟ وكم نسبته المئوية من مجمل ثوار ديسمبر في الشارع العريض؟

إنها أسئلة مشروعة تكشف زيف الدعوى وتُعرّي بطلانها.

ويقيني الذي لا يتزعزع، أن هذا الحوار المزعوم لا يعدو أن يكون نسخة مشوهة رديئة تحاول السير على وقع الحافر بالحافر، وتتعقب أثر حوار الوثبة حذو النعل بالنعل، وتتخبط في ذات رمال التوهان والتيه، ولن يُفضي إلا إلى ذات المصير البائس: الفشل الذريع والسقوط المدوي.