كبرا و حرقا: من ينقذ غابات السودان من حرب الإنسان و الطبيعة؟

بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن  يكتب..

حين يصبح الحطب بديلاً للطاقة، و تتحول الغابات إلى ضحية للحرب و الجوع، لا تكون الخسارة أشجاراً فحسب، بل مستقبلاً يُقتلع من جذوره.

أذكر أن أستاذنا سأل أحد التلاميذ في الفصل عن معنى بيت الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته «النخلة الحمقاء»:

_ولم يطق صاحب البستان رؤيتها

فاجتثّها، فهوت في النار تستعر_

كان الأستاذ يريد من التلميذ أن يشرح كيف اقتلع صاحب البستان النخلة و ألقاها في النار، فجاءت الإجابة باللهجة السودانية، مختصرة و مباشرة، أضحكت الجميع؛ «كبرا و حرقا»!

كانت إجابة عفوية، لكنها اختزلت المشهد كله في كلمتين؛ قطع الشجرة ثم أحرقها. و ربما لم يخطر ببال ذلك التلميذ أن هذه العبارة السودانية البسيطة ستصبح، بعد سنوات، مدخلاً مناسباً لفهم مآسٍ أكبر من حكاية نخلة اقتُلعت من بستانها. فكم من شجرة تُقطع اليوم لأن صاحبها لا يرى فيها سوى حطب، و كم من غابة تُستنزف لأن الحاجة العاجلة طغت على التفكير في عواقب الغد، و كم من وطن يُستهلك حاضره حتى لا يبقى لأبنائه ما يبنون به المستقبل!

في السودان، لم تعد حكاية الأشجار قضية بيئية هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكتفِ بتدمير المدن و منازل المواطنين و البنية التحتية، بل فاقمت أيضاً أزمات الوقود و الطاقة و المعيشة، و أضعفت مؤسسات الرقابة و الإدارة، و دفعت قطاعات واسعة من الناس إلى البحث عن وسائل بديلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية. و في ظل هذا الواقع، يصبح الحطب و الفحم النباتي خياراً اضطرارياً للأسر التي تعجز عن تحمل تكلفة مصادر الطاقة الأخرى، بينما تتزايد الضغوط على الغطاء الشجري في بلد يعاني أصلاً من التصحر و تدهور الأراضي و التغيرات المناخية.

فالمواطن الذي يقطع شجرة ليطهو طعام أطفاله قد يكون مدفوعاً بالحاجة، لكنه يجد نفسه، من دون أن يقصد، جزءاً من دائرة استنزاف تهدد البيئة التي يعتمد عليها بقاؤه. و المسؤولية لا تقع على كاهل الفقراء وحدهم، بل على دولة أضعفتها الحرب، و سياسات لم توفر بدائل طاقة مستدامة، و غياب الرقابة الفاعلة، و أي ممارسات تجارية تستغل الفوضى لتحقيق الأرباح على حساب الموارد العامة.

و لعل غابة السنط في الخرطوم تمثل أحد أكثر المشاهد دلالة على هذه المأساة. فهذه الغابة ليست مجرد مساحة خضراء وسط العاصمة، بل جزء من الذاكرة البيئية للمدينة، و من منظومتها الطبيعية التي تمنحها ظلاً و تنوعاً حيوياً و توازناً مناخياً. و ما أثير بشأن تراجع الغطاء الشجري و اختفاء أجزاء من هذه الغابة يستحق تحقيقاً ميدانياً جاداً يوثق حجم التغير، و يحدد أسبابه، و يفصل بين آثار الحرب والتوسع العمراني و القطع الجائر و سائر العوامل المحتملة. فالأشجار التي تحتاج إلى سنوات طويلة كي تنمو يمكن أن تختفي في فترة قصيرة، بينما تستغرق استعادة الغطاء النباتي زمناً أطول بكثير من الزمن الذي استغرقه تدميره.

ايضا تداول مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قيل إنها تظهر شاحنات مصرية تنقل الأخشاب من غابة الفيل في ولاية القضارف. و إذا صحت المعلومات المتعلقة بهذه المقاطع، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول مصدر الأخشاب، و طبيعة عمليات النقل، و التصاريح التي تسمح بها، و الجهات المسؤولة عن الرقابة على استغلال الغابات. لكن التعامل المهني مع هذه القضية يقتضي التحقق من زمان التصوير و مكانه، و هوية الشاحنات، وطبيعة الحمولة، و الجهات التي تقف وراء العملية، قبل توجيه اتهامات لا تسندها أدلة مستقلة. فحماية الموارد السودانية لا تحتاج إلى الشائعات، بل إلى معلومات موثقة و تحقيقات شفافة و محاسبة لا تستثني أحداً.

إن الشجرة ليست مجرد خشب يمكن بيعه أو حرقه، بل منظومة حياة متكاملة. فهي توفر موائل للكائنات الحية، و تساعد في حماية التربة، و تؤدي دوراً في تخزين الكربون و تنظيم الدورة المائية المحلية، كما تمثل مصدراً للغذاء و الدخل لعدد من المجتمعات الريفية. و عندما تُقطع الغابة بلا خطة لإعادة التشجير أو إدارة مستدامة، فإن الخسارة تتجاوز قيمة الأخشاب إلى خدمات بيئية و اقتصادية قد لا تظهر آثار فقدانها إلا بعد سنوات.

و لا تقف التداعيات عند الأشجار و التربة؛ فالغابات تمثل محطات مهمة للطيور المهاجرة التي تعبر القارة الأفريقية في رحلات موسمية طويلة. و من هذه الطيور اللقلق الأبيض، و الوروار أزرق الخد، و آكل النحل الأوروبي، و أبو ملعقة الأوروبي، و الكروان الأوراسي، و الخرشنة سوداء الجناح، و العقاب النساري. و تعتمد هذه الطيور، بدرجات متفاوتة، على توافر الموائل الآمنة خلال رحلاتها. و من ثم، فإن تدهور البيئات الطبيعية قد يضعف فرص تغذيتها و استراحتها و تكاثرها.

أما التغير المناخي و ظاهرة النينيو، التي ترتبط بتحولات في أنماط درجات الحرارة و الأمطار في مناطق مختلفة من العالم، فيمكن أن يزيدا الضغوط على بعض النظم البيئية بحسب توقيت الظاهرة و شدتها و الظروف المحلية. فالجفاف و ارتفاع الحرارة قد يضعفان الأشجار و يزيدان قابلية بعض المناطق للحرائق، كما أن تراجع الغطاء النباتي يجعل الأرض أكثر تعرضاً للتدهور. غير أن أثر هذه العوامل في السودان لا يمكن اختزاله في سبب واحد؛ فهو يتداخل مع أنماط استخدام الأرض، و تغير الأمطار، و الضغط السكاني والاقتصادي، و ما خلّفته الحرب من اضطراب في مؤسسات الدولة.

و هنا تعود عبارة التلميذ «كبرا و حرقا». إنها تختصر عقلية خطرة حين تتجاوز معناها الحرفي؛ عقلية تعالج الأزمة بإتلاف المورد الذي يمكن أن يساعد على تجاوزها، و تستبدل التخطيط بالاستنزاف، و الإصلاح بالاجتثاث. فحين لا تتوافر الطاقة، نقطع الأشجار؛ وحين تتراجع الغابات، تتدهور التربة و تتضرر سبل العيش؛ و حين تتراجع سبل العيش، تزداد هشاشة المجتمعات و اعتمادها على الموارد المتبقية. و هكذا تدور الحلقة، و يصبح الفقر سبباً في تدهور البيئة، ثم يصبح تدهور البيئة سبباً في تعميق الفقر.

لكن من الظلم أن نطالب المواطن وحده بحماية الغابات بينما نتركه بلا بدائل عملية. فالحماية الجادة تبدأ بتوفير مصادر طاقة ميسورة التكلفة، و توسيع استخدام الطاقة الشمسية حيثما كانت مناسبة، و تحسين كفاءة مواقد الطهي، و تنظيم إنتاج الفحم النباتي، و مكافحة القطع غير القانوني و الاتجار غير المشروع بالأخشاب. كما تتطلب إنشاء برامج وطنية لإعادة التشجير، و إعادة تأهيل الغابات المتضررة، و دعم المجتمعات المحلية التي تعتمد على الموارد الطبيعية، و إشراكها في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارتها.

غير أن هذه التدابير ستظل محدودة الأثر ما دامت الحرب مستمرة في استنزاف الإنسان و الدولة و الموارد. فوقف الحرب ليس مطلباً إنسانياً و سياسياً فحسب، بل شرط أساسي لاستعادة القدرة على حماية البيئة، و إعادة بناء المؤسسات، و توفير الطاقة، و تطبيق القوانين، و تنفيذ برامج التنمية المستدامة. و لا يمكن بناء دولة حديثة فوق أرض تتدهور مواردها، أو تحقيق السلام بينما تتسع دائرة الفقر الذي يدفع الناس إلى استنزاف ما تبقى من مقومات الحياة.

إن غابات السودان لا يمكن التضحية بها إلى حين، و ليست قضية تخص الخبراء و الناشطين وحدهم. إنها جزء من الأمن الغذائي و الاقتصادي، و من قدرة المجتمعات على الصمود أمام الجفاف و التصحر و التغير المناخي. و كل شجرة تُفقد بلا ضرورة أو خطة تعويض تعني خسارة تتجاوز لحظة قطعها، و كل غابة تُترك للاستنزاف تمثل ديناً بيئياً قد تضطر الأجيال القادمة إلى دفع ثمنه.

لقد ضحكنا في الفصل من إجابة التلميذ، لكننا اليوم نحتاج إلى التوقف عند معناها الأعمق. فليست المأساة أن تُقطع نخلة ثم تُحرق، بل أن يصبح الاقتلاع و الحرق أسلوباً في التعامل مع الأزمات، و أن نستهلك ما نحتاج إليه للبقاء لأننا عجزنا عن معالجة الأسباب التي تهدد بقاءنا. و في السودان، لا ينبغي أن نسمح للحرب بأن تترك خلفها مدناً مدمرة و غابات محترقة و أرضاً أكثر هشاشة، ثم نكتشف أن إعادة بناء ما فقدناه أصعب بكثير من حمايته قبل أن يضيع.

أوقفوا الحرب لإنقاذ الإنسان، و أوقفوها لإنقاذ الأرض. فالسودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لن يكون قابلاً للحياة إذا انتصرنا في معركة السلطة و خسرنا مقومات الحياة نفسها. و لا نريد أن يأتي يوم ننظر فيه إلى غاباتنا كما نظر صاحب البستان إلى نخلته بعد أن اقتلعها و ألقاها في النار؛ فقد يبقى الرماد شاهداً على ما حدث، لكن الندم لن يعيد شجرة إلى جذورها، و لن يعيد إلى الأرض ما فقدته من حياة.