سرديات
هيلمان ٤خ ١٧٧١..
بيضاء فاقع لونُها يسر الناظرين..
ها هي تتهادى على شارع الجامعة، وفي جوفها ثوار، هتافاتهم تشق الآفاق، اندياحا ووعدا، وعلى سقفها ثوار، وعلى جانبيها امواج بشرية هادرة تهتف:
إلى القصر حتى النصر..إلى القصر حتى النصر…
فكان لهم ما ابتغوا بعزيمة لا تلين، وكان للهيلمان الأسطورة، مكانتُها، التي تبوأتها في افئدة الثوار، مكتنزةً كفِلذات وضيئات…
رجل عرفتُه يتدفق علما ويخجلك بتواضعه الجم، فاتخذته صفيا، بهيَّ الرُّواء، ونسمةً عفيةً، في زمن قاظت ايامٌه بتغول الغث على السمين..
صديق إذا جلستَ إليه، شعرتَ أنك تجلسُ إلى مكتبةٍ تمشي على قدمين. ليس مثقفاً بالمعنى العابر، الذي يردد ما قرأه البارحة، بل هو موسوعيٌّ بالمعنى القديم للكلمة، رجلٌ جمع العلوم كما يجمع غيره المال، ثم نسي أن يتفاخر بها.
هو اقتصادي ضليع، لكنه ليس من أولئك الذين يختبئون خلف الأرقام. يفهم الاقتصاد كما يفهم الشعر: لغة للبشر، وليست معادلات صماء. إذا حدثك عن السوق، حدثك عن الإنسان الذي يقف خلف السوق. وإذا حدثك عن الأزمة، شرح لك أخلاقها قبل أرقامها. لهذا إذا استمعت إليه في الاقتصاد، ظننته لم يعرف في حياته شيئاً غيره.
ثم إذا انتقل إلى الترجمة-وهي المجال الذي يقربني اليه أكثر- انكشف لك وجه آخر. له باع طويل في نقل الشعر الإنجليزي إلى العربية، وهي من أصعب أنواع الترجمة، لأن الشعر لا يُترجم، بل يُولد من جديد. وهو يفعل ذلك بصبر الناسك. لا ينقل الكلمة، بل ينقل الروح. يقرأ دانتي وروديارد كيبلينج وتي أس إليوت وغيرهم كثر، ثم يعيد كتاباتهم بالعربية كأنما العربية هي الأصل الذي كتبت به أول مرة. ترجمته ليست عملاً حرفياً، بل عمل إبداعي موازٍ.
وفوق هذا كله، هو شاعر وأديب متمكن. لا يكتب ليتزين، بل لأن الكتابة عنده طريقة في التفكير. لغته نظيفة، صوره غير مبتذلة، وذائقته لا تخطئ.
لكن ما يجبرك على احترامه فعلاً ليس كل هذا العلم، بل طريقته في الكلام. هو متحدث لبق بهدوء نادر. لا يرفع صوته ليُثبت أنه على حق، ولا يقاطعك ليثبت أنه يعرف أكثر منك. يختار كلماته، بدقة من يختار حجراً كريماً من صندوق. يتكلم قليلاً، فإذا تكلم أنصت الجميع. وإذا اختلف معك، اختلف معك بأدب يجعلك تحترم رأيه حتى لو لم تقتنع به.
هذا النوع من الرجال لا يتكرر كثيراً. يمكنك أن تجد اقتصادياً بارعاً، ومترجماً متمكناً، وشاعراً موهوباً، لكن أن تجد الثلاثة في رجل واحد، وفوقهم التواضع والهدوء، فهذا هو الاستثناء الذي يجعل صداقتي بالأستاذ عبد المنعم خليفة خوجلي، شرفاً…
هاتفني بالأمس هذا الرجل الواسع العطاء المعرفي، ليبلغني بأن أحدث اصداراتِه الكثر، قد بلغ مرحلة التدقيق النهائي، قبل ارساله لدار النشر لاصداره..
لحسن ظنه بي، ارسل لي المسودة لأراجعها قبل ان ترسل لدار النشر. فكان ذلك شرفا باذخا لا يطال…قبلت طلبه وانا عن المطلب قاصر، بسبب هذا التنوع الغزير في العطاء الثقافي بمفهومه العريض: شعرا ونثرا ورواية عن رموز من المبدعين، يحكي لك عنهم بحب ويقربهم اليك حتى تشعر وكأنك من زمن بعيد تعرفهم..
هيلمان ٤خ ١٧٧١..
استضاف النادي السوداني في مسقط الفنان الكبير محمد وردي؛ رحمه الله، أكثر من مرة..وفي مرة من تلك المرات (٢٠٠٣) كلفت لجنة الاحتفاء بالفنان الكبير؛ الاقتصادي المعروف الاستاذ عبد المنعم خليفة خوجلي بأن يجري حوارا مع وردي، ويسلط الضوء من خلاله، على جوانب يعرفها هو عن وردي، أكثر من غيره، بحكم الصداقة التي جمعت بين الرجلين لسنوات طويلة..وبالفعل كشف الاستاذ عبد المنعم للحضور جوانب من مسيرة الفنان الكبير، كانت غائبة عن الكثيرين..ولكن ما أثار اهتمام الحضور بوجه خاص، كان حين أن امسك وردي رحمه الله، بالميكرفون قبل بدء الحوار وقال فيما قال:
منعم دا يا جماعة كان في مقدمة المسيرة الاحتجاجية الضخمة التي نظمها اهلنا الحلفاوية..أهلنا بدو يرطنوا ويشككوا في وجود الزول العربي دا بيناتهم..قالوا يمكن يكون غواصة مرسلاهو الحكومة عشان ينقل كلامنا ليهم!..قمت قلت ليهم يا ناس دا منعم سيد الهيلمان…
وعن الهيلمان ٤خ ١٧٧١ سألت صاحبي فجاءتني الحكاية مكتوبة:
الهيلمان ٤ خ ١٧٧١
على إثر حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في يوم ٢٦ اكتوبر ١٩٦٤م ، تم الشروع في خطوات الإعداد للمظاهرة التاريخية التي تقرر ان تنطلق يوم ٢٨ أكتوبر، وتبدأ من نادي الأساتذة بشارع الجامعة، مقر جبهة الهيئات:
(هبت الخرطوم في جنح الدجى .. ضمدت بالعزم هاتيك الجراح .. والتقينا في طريق الجامعة .. مشهداً يا موطني ما أروعه*!)،.
كان علينا تحضير ميكرفون ليثبت على العربة التي تتقدم الموكب التاريخي… نجحنا في إقناع صاحب الميكرفون بالخرطوم بحري، والذي تردد بعض الشيء اول الأمر، لأنه لم يكن واثقاً تماما من أن النظام قد انتهى، وأن ليس هناك ما يخشاه كما نزعم!..
المهمة التالية، بعد النجاح في الحصول على الميكرفون، كانت تحديد العربية التي سوف ينصب عليها الميكرفون..
هنا انبرت الهيلمان ٤ خ ١٧٧١ بكل ثورية..مقدمةً صباعات بطاريتها بكل أريحية! وأحنت ظهرها لكي يثبت فوقه ال Loud Speaker الذي سوف يجسم الهتافات التي ستنطلق من حناجر ثوار أكتوبر..
لم أجلس على كرسي القيادة، لأني كنت حديث عهد بالسواقة (إذ أني حصلت على سلفية العربية قبل الحصول على رخصة السواقة (والتي احتفظ بها حتى الآن، وهي تحمل تاريخ ٢٠ أكتوبر ١٩٦٤ !). لذا فقد تولى السواقة زميل آخر، وامتلأت بقية المقاعد بعدد من الثوار الذين ظلوا يتبادلون إطلاق الهتافات، لترددها معهم الجماهير. “إلى القصر حتى النصر”..
بالقرب من منطقة القصر , تعرض الموكب، والمواكب الهادرة الأخرى القادمة من مختلف أنحاء العاصمة، لإطلاق الرصاص ..
في ذلك اليوم قدمت ثورة أكتوبر قوافل من الشهداء .لا أرغب في تكرار أحداث أكتوبر؛ غير أني أود أن ألفت الانتباه إلى شهادة الأستاذ عبد الله مسعود عن أحداث نهار يوم ٢١ أكتوبر ، والتي تضمنتها سلسلة (“أوراق أكتوبرية”)، التي كنت قد نشرتها بمنبر سودانيزاونلاين، حيث وردت فيها إشارة إلى الهيلمان ٤ خ ١٧٧١…كما تلاحظون فإن الرقم ١٧٧١ متميز بكونه متناظر (Symmetrical)، كما أنه موسيقي ومنغم (سبعطاشر واحد وسبعين!)، وهذا ما جعل الأصدقاء الأوفياء للهيلمان – وهم في نشوة انتصار الثورة – يرددون مع الفنان محمد الأمين:
(أكتوبر واحد وعشرين يا صحو الشعب الجبار).. (سبعطاشر واحد وسبعين يا مشعل غضب الأحرار!..)
بعد سنوات، أعدت الهيلمان إلى مصلحة النقل الميكانيكي، لكي تعيد تسليفها لموظف آخر، ويوقف عني استقطاع القسط المرهق! (٤ جنيه في الشهر)..
أيتها الهيلمان العزيزة – أنا ، وأبناء جيلي، مدينون لك باعتذار تاريخي، حيث أننا لم نوفك حق قدرك ، إذ أن مكانك كان هو المتحف القومي..
وشد ما أحزنني وأنا أسلمها للنقل الميكانيكي، أن أحد موظفي المصلحة لاحظ أن كلمة HILLMAN المكتوبة بحروف نحاسية بارزة على سطح العربية، قد سقط منها حرف الـ H ، لتبقي بقية الكلمة
ILLMAN! ..
ما تستاهلي يا وجدان الجيل .. يا مشعلة غضب الأحرار!..
وفعلا ما تستاهلي .
