هل دخل السودان مرحلة الصوملة؟ دولة واحدة على الخريطة وسلطات تتنازعها على الأرض

هناك دول تنهار حين تسقط عواصمها، ودول أخرى تبدأ رحلة الانهيار بينما تظل مؤسساتها قائمة وأعلامها مرفوعة ومقاعدها محفوظة في المنظمات الدولية. الفارق أن الأولى قد تعلن سقوطها بوضوح، فيما تستمر الثانية في الوجود القانوني، بينما تتآكل قدرتها على ممارسة وظائف الدولة يوما بعد يوم.

يقف السودان أمام هذا السؤال الثقيل: هل ما يجري منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 مجرد انهيار مؤقت يمكن احتواؤه وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعده، أم أننا نشهد انتقالا تدريجيا إلى مرحلة تقترب من النموذج الذي درجت الأدبيات السياسية على تسميته «صوملة الدولة»؟

ليس السؤال مجرد استعارة لغوية، بل اختبار لمستقبل السلطة ووحدة البلاد ومصير مؤسساتها، وقدرة السودانيين على الاحتفاظ بدولة تتجاوز حدودها المرسومة على الخرائط إلى واقع يشعر فيه المواطن بالأمن والحقوق والانتماء.

ماذا نعني بصوملة الدولة؟

ظهر مصطلح «الصوملة» في الخطاب السياسي عقب انهيار الدولة الصومالية عام 1991، إثر سقوط نظام محمد سياد بري ودخول البلاد مرحلة من الحرب الأهلية وتعدد مراكز القوة وتراجع سلطة الحكومة المركزية.

ويُستخدم المصطلح لوصف حالة تتراجع فيها قدرة الدولة على احتكار السلاح، وتظهر فيها سلطات وإدارات متنافسة، وتتآكل المؤسسات الوطنية، ويصبح الأمن والخدمات والحقوق رهينة للجهة التي تسيطر على كل منطقة.

لكن الصوملة ليست مرادفا للانفصال؛ فقد تبقى الدولة موحدة قانونيا، بينما تتفكك سلطتها فعليا. كما أن التجربة الصومالية نفسها شهدت لاحقا محاولات لإعادة بناء المؤسسات، ما يجعل المصطلح تحذيرا سياسيا لا حكما نهائيا على مستقبل أي بلد.

السودان.. حين تصبح الدولة ساحة للصراع

منذ استقلال السودان عام 1956، تعاقبت الحروب الداخلية والانقلابات العسكرية والأزمات السياسية، من دون نجاح مستدام في بناء نظام يضمن التداول السلمي للسلطة ويعالج التهميش ويجعل المواطنة أساس العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها المتنوعة.

وخلال حكم الإنقاذ، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عام 1989، تعمقت اختلالات بنية الدولة بفعل إضعاف المؤسسات وإقصاء الخصوم السياسيين واستخدام القوة المسلحة في إدارة النزاعات، قبل أن تنفجر الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

لم تكن الحرب الراهنة مجرد مواجهة عسكرية، بل كشفت أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والسلاح، وبين المؤسسات الوطنية والقوى المسلحة، وبين إمكانية بناء حكم مدني مستقر واستمرار عسكرة السياسة.

فحين تتحول الدولة من إطار يحتكم إليه المتنافسون إلى موضوع يتنافسون على امتلاكه، لا يعود السؤال مقتصرا على من يحكم السودان، بل يصبح: من يملك حق تعريف الدولة وإدارة مواردها وتقرير مستقبلها؟

تعدد السلطات.. هل بدأ الانقسام يتحول إلى واقع؟

من أخطر مؤشرات التفكك انتقال الصراع من التنافس العسكري إلى إنشاء سلطات وإدارات متنافسة، لكل منها مناطق نفوذ ومصالح سياسية واقتصادية وأمنية.

وحين تتعدد الجهات التي تجمع الضرائب، وتفرض القواعد، وتدير المعابر والموارد، وتتحكم في الأمن والخدمات، تتراجع قدرة الدولة على العمل باعتبارها منظومة وطنية واحدة.

ولا يعني ذلك أن السودان أصبح دولة بلا مؤسسات؛ فما زالت مؤسسات وطنية تعمل بدرجات متفاوتة، كما تتغير السيطرة العسكرية من منطقة إلى أخرى. لكن الخطر يكمن في أن تصبح حقوق المواطن وأمنه مرتبطين بالقوة التي تسيطر على منطقته.

حين تتغير حقوق المواطن بتغير الجهة المسلحة التي تحكم منطقته، تكون وحدة الدولة قد تعرضت لاختبار يتجاوز حدود الجغرافيا.

خريطة السيطرة ليست خريطة الدولة

قد يظن البعض أن بقاء السودان دولة واحدة في الأمم المتحدة واحتفاظه بحدوده المعترف بها يكفيان لنفي خطر التفكك. لكن الدولة ليست القصر الرئاسي أو القيادة العسكرية أو المباني الحكومية وحدها؛ إنها منظومة من المؤسسات والقواعد التي تربط المركز بالأقاليم وتضمن الحقوق والخدمات وسيادة القانون.

وحين تتراجع هذه المنظومة، يمكن أن تبقى الرموز الرسمية قائمة بينما تصبح السلطة متفاوتة من منطقة إلى أخرى.

والخطر أن تتحول خطوط المواجهة العسكرية إلى حدود سياسية وإدارية غير معلنة، ثم تترسخ بفعل مرور الوقت وتراكم المصالح الاقتصادية وظهور أجيال تنشأ في ظل سلطات مختلفة.

عندها لن يكون السؤال فقط عما إذا كان السودان سينقسم رسميا، بل عما إذا كان سيظل موحدا من الناحية العملية، حتى لو بقي موحدا من الناحية القانونية.

الاقتصاد والمجتمع.. تفكك يتجاوز ساحات القتال

لا يحدث انهيار الدولة عبر البنادق وحدها. فقد تتراجع قدرتها على البقاء حين تفقد مواردها، وتتعطل مؤسساتها، وتعجز عن توفير الخدمات الأساسية.

وفي السودان، أدت الحرب إلى نزوح ملايين الأشخاص، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل قطاعات واسعة من الصحة والتعليم والاقتصاد، فيما يحتاج ملايين السكان إلى مساعدات إنسانية.

ولا تمثل هذه الأزمة مجرد تراجع في الخدمات، بل اختبارا للعلاقة بين المواطن والدولة. فعندما يعجز المستشفى عن العلاج، والمدرسة عن استقبال التلاميذ، والأسرة عن تأمين الغذاء، يضطر الناس إلى الاعتماد على المبادرات المجتمعية والشبكات المحلية، وأحيانا على السلطات المسلحة المسيطرة.

وتظل المبادرات المجتمعية أحد أهم مصادر الصمود السوداني، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى بديل دائم عن مؤسسات عامة غائبة، من دون موارد مستقرة أو ضمانات قانونية.

كذلك، فإن انتقال الصراع إلى التعبئة القبلية والإثنية يهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى انقسامات اجتماعية طويلة الأمد. فالتنوع السوداني ليس سبب الحرب في ذاته، لكن توظيف الهوية لتجنيد المقاتلين وتبرير الانتهاكات يعمق الخوف ويضعف فكرة المواطنة المتساوية.

من الأنانيا إلى نيفاشا.. تجربة جنوب السودان والتحذير من تفكك الوحدة

لا يمكن فهم مخاطر التفكك في السودان من دون استحضار تجربة جنوب السودان، التي امتدت من تمرد الأنانيا في ستينيات القرن الماضي إلى اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم تجدد الحرب عام 1983، وصولا إلى اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005 وانفصال الجنوب في 9 يوليو 2011.

بدأت الحرب الأولى في سياق مظالم سياسية وإدارية ومخاوف من التهميش، وانتهت باتفاق منح الجنوب حكما ذاتيا داخل السودان الموحد. لكن انهيار ترتيبات الاتفاق في مطلع الثمانينيات أعاد البلاد إلى الحرب، وأظهر أن وقف القتال لا يضمن استقرار الوحدة إذا لم تُحمَ الاتفاقات وتُعالج جذور النزاع.

وخلال الحرب الثانية، تطورت المطالب السياسية، وأصبح حق تقرير المصير جزءا من التسوية التي انتهت إليها مفاوضات نيفاشا. ونص اتفاق السلام الشامل على فترة انتقالية واستفتاء يختار فيه الجنوبيون بين الوحدة والانفصال. وفي يناير 2011، اختار 98.83 في المئة من المصوتين الانفصال، قبل إعلان استقلال جنوب السودان في يوليو من العام نفسه.

لا تعني هذه التجربة أن السودان يتجه حتما إلى تقسيم جديد، لكنها تكشف أن الحروب الطويلة وتعثر التسويات يمكن أن يغيرا علاقة المجتمعات بالدولة، وأن اتفاق السلام قد ينهي الحرب من دون أن يحافظ بالضرورة على الحدود السياسية القائمة.

وتقدم التجربة ثلاثة دروس: أن تجاهل المظالم يضعف الثقة في الدولة، وأن الاتفاقات لا تصمد من دون مؤسسات تضمن تنفيذها، وأن تأجيل معالجة أزمات الحكم والسلطة والثروة قد يجعل استعادة الوحدة أكثر صعوبة بمرور الوقت.

ومع ذلك، ثمة فرق جوهري بين انفصال الجنوب والصوملة. فقد انتهى مسار الجنوب إلى انفصال رسمي عبر اتفاق واستفتاء، بينما تشير الصوملة إلى تآكل السلطة المركزية وتعدد مراكز القوة، حتى إن ظلت الحدود الدولية قائمة.

لذلك، فإن استدعاء تجربة الجنوب ليس نبوءة بانفصال أقاليم أخرى، بل تحذير من ترك الانقسام العسكري والسياسي يتراكم إلى أن يصبح تفكك الدولة أمرا يصعب التراجع عنه.

هل يكفي انتصار عسكري لبناء الدولة؟

قد يرى البعض أن حسم الحرب لمصلحة أحد الطرفين كفيل بإعادة بناء الدولة. لكن حسم الصراع العسكري لا يعالج وحده أسباب الحرب، ولا يضمن قيام نظام سياسي مستقر أو إعادة الثقة بين المجتمعات.

فإذا انتهت الحرب وبقيت المؤسسات خاضعة لمنطق الولاء العسكري، وظلت الحياة السياسية رهينة موازين السلاح، فإن خطر تجدد الصراع سيظل قائما.

المطلوب ليس دولة أقوى في مواجهة المجتمع، بل دولة أقوى في حماية المجتمع، وأكثر خضوعا للقانون، وأقل قابلية للاختطاف بواسطة أي تنظيم أو مؤسسة أو جماعة مسلحة.

ويقتضي ذلك وقف الحرب وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية مدنية ذات مصداقية، وبناء قطاع أمني وطني موحد، واستعادة القضاء والخدمة المدنية والخدمات الأساسية، ومعالجة جذور التهميش، وإقرار مسار للعدالة والمحاسبة وجبر الضرر.

كما يتطلب منع تحول مناطق السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية دائمة، ودعم المبادرات المدنية، وإعادة بناء عقد وطني يضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة ويحفظ حقوق جميع السودانيين.

ولا يمكن لأي من هذه الخطوات أن ينجح منفردا؛ فوقف الحرب من دون تسوية سياسية قد يؤجل الانفجار، والتسوية من دون إصلاح أمني قد تعيد إنتاجه، وإعادة الإعمار من دون عدالة قد تترك أسباب النزاع كامنة تحت السطح.

هل وصل السودان فعلا إلى مرحلة الصوملة؟

إذا كانت الصوملة تعني تراجع سلطة المركز، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وظهور إدارات متنافسة، وتآكل قدرة المؤسسات الوطنية على أداء وظائفها، فإن السودان أظهر مؤشرات خطيرة على هذا المسار.

لكن القول إن البلاد وصلت إلى نقطة انهيار نهائي لا رجعة عنه يتجاوز ما يمكن استنتاجه من هذه المؤشرات. فالسودان لا يزال يمتلك مؤسسات تعمل بدرجات متفاوتة، ومجتمعات قادرة على التنظيم والتضامن، وقوى مدنية تستطيع طرح مشروع لاستعادة الحكم المدني.

إن أخطر ما يواجه البلاد هو الاعتياد على واقع الحرب؛ أن يصبح تعدد الجيوش أمرا طبيعيا، وغياب الخدمات نمط حياة، وسيطرة الجماعات المسلحة على المناطق ترتيبا دائما، وأن تتراجع فكرة الدولة الوطنية أمام الولاءات المسلحة والجهوية والقبلية.

عندها لن تكون المشكلة في استمرار الحرب وحده، بل في أن تكون الحرب قد أعادت تشكيل الدولة والمجتمع على نحو يجعل إنهاءها أصعب من اندلاعها.

لقد استغرق الطريق من الأنانيا إلى نيفاشا ثم استقلال جنوب السودان عقودا من الحرب والتفاوض وتعثر التسويات. ولا يعني ذلك أن التاريخ سيعيد نفسه في السودان اليوم، لكنه يذكّر بأن تجاهل أزمة الدولة قد يجعل الخيارات المتاحة أمام المواطنين أضيق وأكثر كلفة.

السودان يواجه مخاطر الصوملة، لكنه لم يصل بالضرورة إلى نقطة اللاعودة. والسؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت الدولة تتفكك، بل ما إذا كان السودانيون قادرين على بناء سلام يعالج جذور الأزمة قبل أن تتحول خطوط الحرب إلى حدود سياسية، وقبل أن يصبح تفكك الدولة واقعا تتوارثه الأجيال، فالتاريخ لا يمنح الدول دائما فرصة ثانية لإعادة بناء مادمرته الحرب.