عندما يصبح المقال إثارة حرب: تعديل المادة 51 لاعدم الصحافة الحرة

عادل عبدالله نصرالدين  يكتب..

في 19 أكتوبر الجاري، وفي ملحق الجريدة الرسمية، أضيفت خمس كلمات فقط إلى القانون الجنائي السوداني، لكنها كفيلة بإعدام ما تبقى من حرية الصحافة: “بما في ذلك النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية”.

أضيفت هذه العبارة إلى المادة 51 من القانون الجنائي، المادة التي تتحدث عن جريمة “إثارة الحرب ضد الدولة”، وعقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد مع مصادرة الأموال.

بهذه الإضافة، تحول العمل الصحفي من مخالفة يحكمها قانون خاص، إلى جريمة ضد الدولة يحكمها القانون الجنائي (لإعدام) .

أولا: انقلاب القاعدة القانونية .

القاعدة المستقرة في القانون هي أن “الخاص يقيد العام”. لدينا قانون خاص لجرائم المعلوماتية (2007) وقانون للصحافة، هما اللذان يحاكمان النشر. لكن التعديل الجديد قلب القاعدة، فجاء القانون العام (الجنائي) وابتلع القانون الخاص. أصبح نشر مقال عن فساد أو انتهاك، لا يعاقب عليه بالغرامة كما في قانون المعلوماتية، بل بالإعدام كما في القانون الجنائي.

ثانيا: قرار الآلية الوطنية يكمل المشهد .

قبل التعديل بأيام، شكل رئيس الوزراء كامل إدريس “الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية” مهمتها رصد ما ينشر واتخاذ الإجراءات. الآلية هي العين التي ترصد، والمادة 51 هي السيف الذي يقطع. الهدف واضح: الصحفي.

ثالثا: ما الهدف من ذلك؟

الهدف ليس حماية الأمن القومي كما يقال، بل ثلاثة أهداف أخرى:

1. سياسي: إسكات الحراك السلمي الذي انتقل من الشارع إلى المنصات.
2. اقتصادي: حماية شبكات الفساد الجديدة التي نمت في الحرب. فالصحفي الذي يكتب عن تهريب الذهب أو فساد الإغاثة، لن يواجه تهمة إشانة سمعة، بل تهمة إثارة حرب.
3. قانوني متناقض: نفس السلطة التي تترك خطاب الكراهية وفيديوهات التحريض على قتل “الزرقة والغرابة” دون حساب، هي التي تجرم من يكتب منتقدا هذا الخطاب.

وهنا يظهر الهدف الأساسي: كل هذه الإجراءات لا تؤكد قوة الدولة، بل تؤكد توسع حجم الانتهاكات والفساد، لدرجة أن الكلمة عنها أصبحت أخطر من الحرب عليها.

رابعا: هل ينجح؟

التاريخ السوداني يقول لا. منذ قانون الصحافة الاستعماري 1930 وحتى اليوم، كلما شددوا عقوبة النشر، انتشر النشر السري أكثر. ولا يمكن إعدام 10 ملايين حساب فيسبوك.

كما أن التعديل ساقط دستوريا، لمخالفته حرية التعبير في الوثيقة الدستورية والمادة 19 من العهد الدولي.

الدولة التي تساوي بين المقال والدبابة، تعترف ضمنا أن شرعيتها لم تعد تحمى بالقانون، بل بالإعدام.

ومن يحمي الفساد بقانون الإعدام، يقدم بنفسه البينة على أن فساده هو الخطر الحقيقي على الدولة.