
سرديات
سألتُه سؤالاً، فأجابني بسؤال، أفحمني ووسّع فجوة جهلي طولاً وعرضاً وعمقاً…
ظاهر الوضاءة كان؛ رحمه الله..
وفي صوته بُحّة مستعذَبة تشدّك إليه؛ حين يتلو القرآن..
مسجد *أسماء بنت أبي بكر* يعد أحد أجمل بيوت الله في العاصمة العمانية..
هناك كنت اجالسه؛ متى سمح وقته بذلك..
أزهريٌّ غزيرُ العلم؛ سمح السجايا؛ كنت أشعر حين أجلس إليه؛ بأنني قزم أمام عملاق..
اسمه *محمد النادي؛* هو إمام هذا المسجد الجميل؛ تعرّفت عليه؛ حين انتقلت للسكن بجوار المسجد في مدينة السلطان قابوس..
غزارة علمه؛ كانت تعكس فجوة جهلي واتساعها فينفغِر الفاهُ تعجّباً؛ حين يسترسل الرجل في شرح آية من الذكر الحكيم؛ كشرحه يومئذ للآية الكريمة:
“ما كذب الفؤاد ما رإى..”
قالت الكتب تفسيرا للآية الكريمة “*ما كذب الفؤاد ما رأى*” من سورة النجم؛ إن قلب النبي محمد عليه السلام لم يكذب ما رآه بصره؛ بل صدّقه وأيقن به؛ أي أن ما رآه النبي عليه السلام من آيات ومعجزات؛ سواء كانت جبريل عليه السلام او غيرها؛ قد أثبته قلبُه..
فالآيةُ تؤكد على صدق رؤية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وتثبيتِها في قلبه، وأن ما رآه كان حقاً وصدقاً، وليس مجرد خيال أو أوهام.
بعض المفسرين يرون أن عبارة “*ما رأى*” هنا يقصد بها رؤية النبي لجبريل عليه السلام في صورته الحقيقية.
وآخرون يرون أن عبارة “*ما رأى*” تشمل كل الآيات والمعجزات التي رآها النبي خلال رحلته الإلهية.
في ليلة رمضانية مباركة؛ سألت الشيخ الجليل محمد النادي؛ رحمه الله؛ بعد صلاة التراويح؛ تفسيراً للآية “ما كذب الفؤاد *ما رأى*” على خلفية التفاسير التي جاءتنا بها الكتب ومنها أن “ما رأى” يقصد بها رؤية النبي عليه السلام *لله* عز وجل في ليلة الإسراء والمعراج..”..
قال لي رحمه الله، إن هذا التفسير الأخير محل خلاف بين العلماء؛ ولكن عبارة *ما رأى* يقصد بها “كل ما رآه نبيُّنا الكريم من معجزات..”..
ولكن ما فغر فاهي دهشةً؛ سؤالَه لي؛ (إذا ما كنتُ قد لاحظتُ في المصحف الشريف، فرقا في كتابة الفعل رأى..!)..
اجبته بسرعة بالنفي؛ لا من باب العلم الذي يعينني على ملاحظة الفرق بين الكلمات الواردة في القرآن؛ وإنما لجهلي بمغازي هذا الفرق حتى إن وجد..
قال لي رحمه الله؛ إن الفعل رأى ورد في القرآن على رسمين:
“رأى” و “رءا”..
بجهل يتمدد طولاً وعرضاً سألته الفرق في المعنى بين الرسمين إن كان ثمة فرق بين الرسمين..
قال لي رحمه الله إن لفظة (رءا) بهذا الرسم؛ وردت في القرآن إحدى عشرة مرة!
واستشهد الشيخ الجليل؛ لتوضيح المعنى لي ولمن هم مثلي من القاصرين عن فهم مغازي ودلالات كلمات القرآن الكريم؛ بالآية الكريمة:
*”فلما جن عليه اليل رءا كوكبا*..” سورة الأنعام..
وبالآية:
*”فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم واوجس منهم خيفة”*.. سورة هود..
وبالآية:
*”فلما رءا قميصَه قُدَّ من دُبر قال إنه من كيدكن”*..سورة يوسف.
وقال إن كلمة “رأى” وردت بهذا الرسم في موضعين اثنين فقط في كل سور القرآن الكريم؛ هما:
*”ما كذب الفؤاد ما رأى”* سورة النجم.
و “*لقد رأى من آيات ربه الكبرى*” سورة النجم ايضا..
وقال في الآيات الإحدى عشرة التي وردت فيها كلمة *”رءا”* بهذا الشكل؛ نلاحظ أن الرؤية تمت بالعين؛ ولا فرق فيها بين الرؤية في الدنيا او الرؤية في الآخرة؛ فكلاهما تم بالعين..
ومضى الشيخ الجليل يقول كتابة الكلمة بالالف القائمة “رءا”؛ تعبير عن مسافة مكانية بين العين والشيء المرئي؛ بمعنى وجود مسافة يمكن قياسها لأنها مسافة مادية ملموسة..
يتمدد جهلي والشيخ يشرح مغازي لفظة (رأى) في الآيتين اللتين وردت فيهما اللفظة برسم “*رأى*” في سورة النجم..
يقول رحمه الله ” الرؤية هنا لم تكن بالعين؛ بل هي رؤية عقلية بمعنى انها ليست انعكاس الضوء على عدسة العين؛ كما يرى الناس الأشياء بعيونهم..ربما الأشياء المرئية فيها لا تصلح معها الرؤية بالعين؛ بل كانت لرسول الله عليه الصلاة والسلام خاصية؛ حيث تقول الآية (ما كذب الفؤاد ما رأى) بمعنى ان الفؤاد هو الذي رأى وصدّق الرؤية وليست العين..
يا الله!
واختتم الشيخ الجليل رحمه الله حديثَه بالقول “علينا ان نلحظ أن الفعل (رءا) رسم بهذا الشكل؛ حيثما ورد في القرآن الحكيم؛ وهو ورد بهذه الصيغة إحدى عشرة مرة في المصحف الشريف؛ للتعبير عن الرؤية بالعين؛ أما (رأى) بهذه الصيغة فهي وردت مرتين فقط في المصحف للتعبير عن الرؤية بالفؤاد ..بمعنى أن هناك رؤية بصرية ورؤية عقلية..
بحثا عن هذا الفرق الدقيق في المعنى في رسميْ الفعل (رأى) في ترجمة معاني القرآن؛ استشرت ثلاث ترجمات لمعاني القرآن الكريم؛ قام يها رجال ثقات من علماء المسلمين..غير أني لم أجد فرقا كما قال شيخنا الجليل.
فالآية الكريمة “فلما جَنّ عليه الليل رءا كوكبا” سورة الانعام ترجمت على النحو التالي:
When the night covered him over he “*saw*” a star…
والآية : *فلما رءا قميصه قد من دبر.*..سورة يوسف؛ ترجمت على النحو التالي:
So when he “*saw*” his shirt rent from behind..
إننا نجد ان كلمة *رءا* بهذا الرسم في الآيتين تعني رؤية بصرية..
اما حين نجد كلمة *رإى* بهذا الرسم كما في الآية الكريمة:
*ما كذب الفؤاد ما رأى* والتي ترجمت إلى الإنجليزية على النحو التالي:
The heart did not lie (about) what he *saw*..
والآية الكريمة:
*لقد رأى من آيات ربه الكبرى* والتي ترجمت على النحو التالي:
Indeed he did *see* of the greatest signs of his Lord..
أقول حين ترد كلمة رأى بهذا الرسم فإنها تعني أن الرؤية قلبية وليست بصرية..
على أن الكلمة برسميها (رءا) و (رأى) حين تترجم إلى الإنجليزية فإنها تبقى كما هي دون تغيير اي انها ترد بصيغة الفعل saw/see..
وهذا ما يستوجب في ظني؛ شرحاً اوفى من المترجم في المتن؛ حتى يتضح المعنى؛ كما رأى الشيخ محمد النادي رحمه الله..
ومن باب الشيء بالشيء يذكر؛ ضمّني في الخليج مكتب مع زميل اردني في شركة كبيرة.. مصطفى مترجم حاذق؛ قال لي ذات مرة؛ إنه ناقش في أطروحته لنيل درجة الدكتوراة في الترجمة الجامعة الأردنية بعض الكلمات في المصحف الشريف؛ والتي تمثل عقبة لمن يتصدون لترجمة معاني القرآن الكريم..وذكر لي كمثال ان كلمة (مطر) ما وردت في القرآن إلا كان عذابا في الغالب في حين تأتي كلمة (غيث) مستصحبة الخير بمعنى انها ذكرت لتغوث وتنجد الناس من المحل والمرض والهلاك..ولكن الترجمات الموجودة لمعاني القرآن تكتفي بكلمة rain كمرادف لكلمتي “مطر” و”غيث” متى ذكرتا في القرآن؛ الامر الذي يلزم المترجم بالجلوس إلى الثقات من أهل العلم؛ لمعرفة الفرق بين بعض كلمات القرآن عند الضرورة..
The nuances of the Quran’s meaning can be lost in translation. For a deeper understanding, translators should consider consulting a scholar or exploring translations with commentary…
والله أعلم..
