الهوان علي قدر الكبر؟!
الجميل الفاضل يكتب:
ثمة رسائل لا تأتي محمولةً على أجنحة الرسل، ولا مختومةً بأختام الملوك؛ تهبط من مسام التاريخ، وتنبعث من ذاكرة الوحي، لتعيد ترتيب علاقتنا بالقوة، وتكشف ما بين ظاهر الأشياء وبواطنها من مسافة لا تقيسها الموازين.
في بريد عصرنا هذا، سأرسل ثلاث برقيات لا يفصل بينها عنوان، وإن اختلفت صناديق بريدها؛ واحدة إلى المستكبر الذي ظن أن العرش يحميه من قوانين السقوط، وأخرى إلى المستضعف الذي أثقله الطريق حتى كاد ينسى أن للطرق مخارج لا تراها العيون، وثالثة إلى من باعوا ضمائرهم، فاستعاروا من الجبروت ظله، ولم ينتبهوا إلى أن مثل هذه الظلال تتلاشى كالفقاقيع فور زوال ملك أمثال هؤلاء الطغاة.
تجمع البرقياتَ حقيقتان، الأولى: أن الهوان قد يأتي على قدر الكِبْر، وأن التحدي قد يأتي من حيث لا تحتسب القوة، وربما من أضعف ما استصغرت من كائنات.
إذ ليس في سنن الوجود ما يلزم أن يكون سقوط العظيم عظيماً ومدوياً في أسبابه، ولا أن تحمل النجاةُ تواقيع أولئك الأقوياء أنفسهم.
ولذا أقول: للمستكبرين، عُبّاد العتاد وأسرى الغطرسة:
خفّفوا وطأة الوهم عن عروشكم؛ فليس كل ما ارتفع في الأرض قد ارتفع في ميزان الحق، وليس كل من امتلك أسباب البطش امتلك أسباب البقاء.
فكم من قوةٍ ملأت الأفق ضجيجاً وصخباً، قبل أن تعجز أمام شأن صغير لم يدخل في حسبانها؛ وكم من جبارٍ ظن أن مصيره معقود بما تحت يده، فإذا بما لم تقع عليه عينه يفتح في حصونه أول ثقب يكتب نهايته.
ألم يكفِ النمرودَ أن يتوهم أنه يحاج أو ينازع إبراهيم في ربه، حتى تضع الرواية المشهورة في طريق كبريائه بعوضةً تكشف هشاشة جبروته؟ وألم يقف القرآن أمام فرعون، بكل ما احتشد له من سلطان، ليكشف أن البحر الذي حسبه طريقاً للحاق يمكن أن يصير باباً للهلاك؟ ألم تخرج من ذاكرة الآيات جيوشٌ من الجراد والقمل والضفادع، لتقول إن الطغيان لا يختار دائماً حجم خصمه، وإن أصغر المخلوقات قد يصبح أحياناً أكبر من حسابات قوته؟
إنها ليست دعوةً إلى انتظار المعجزات، ولا زعماً بأن كل هزيمة يفسرها سبب خارق؛ إنها دعوة إلى التواضع أمام كونٍ لا نحيط بأسبابه، وإلى فهم أن القوة، مهما تضخمت، لا تتحول بذلك إلى سيادة مطلقة على النتائج.
فالهوان على قدر الكِبْر ليس معادلةً حسابية، بل إنذارٌ للمغرور عندما يتخذ من القوة إلهاً، ومن البطش قانوناً، ومن الإنسان رقماً قابلاً للمحو.
وإلى المستضعفين، وأهل النزوح والفقد، والمقيمين في العراء، والذين ينامون على رجاءٍ لا يملكون له دليلاً سوى أنهم لم يستسلموا، أقول: لا تظنوا أن خفاءكم عن عيون العالم يعني غيابكم عن سر هذا الوجود. قد تمرّ مأساتكم على الشاشات خبراً عابراً، وقد تتعب من حمل أوجاعكم لغات السياسة، لكن الإنسان لا يصير أقل قيمةً حين يقلّ شهوده، ولا تضيع كرامته لأن العالم انشغل عنه.
ثمة فرق بين أن تكون ضعيفاً في ميزان القوة، وأن تكون متروكاً في ميزان رقيب عتيد، يري ويرزق حتي نملة سوداء، في صخرة صماء، في ليلة ظلماء.
إن الذي علّمناه هو أن مثقال ذرة لا يغيب عن علم الله، وأن ورقةً صغيرة لا تسقط عن شجرتها إلا بعلمه، سبحانه هو الذي يفتح أمام المقهور أفقاً لا تختزله خرائط المنتصرين. وفي قصة أصحاب الفيل، وفي نجاة النبي وصاحبه في الغار، تتجلى للعقل المؤمن إشاراتٌ إلى أن أسباب الحماية قد تأتي من حيث لا يتوقع الناس؛ وأن خيطاً واهناً، في لحظة بعينها، قد يؤدي ما تعجز عنه كافة الحصون.
لكن لا تجعلوا الصبر اسماً للاستسلام، ولا التوكل ذريعةً لتعطيل السعي؛ فالأمل الذي لا يمشي على قدمين قد يتحول إلى انتظارٍ بلا نهاية.
قاوموا القبح بما تستطيعون، واحفظوا ما بقي من الإنسان فيكم، وأقيموا من بين الأنقاض أسباباً للحياة، فإن الفرج ليس دائماً باباً ينفتح من تلقاء نفسه؛ قد يكون يداً تمتد، وحقاً يُنتزع، وضميراً يستيقظ، وعدلاً يتعلم الناس كيف يصنعونه معاً.
ولعل من أسرار الرحمة أن الإنسان لا يعرف كل الأبواب التي يمكن أن يجيء منها خلاصه؛ لكنه يستطيع، حتى قبل أن يراها، ألا يغلق باباً هو في داخله أصلاً.
أما البرقية الثالثة، فإلى الذين ارتهنوا للجبروت، وباعوا ضمائرهم في سوق المصالح، ورضوا أن يكونوا يداً للباطش ولساناً: ماذا ستربحون من قوةٍ لا تملكون قرارها، ومن سلطانٍ لا تضمنون بقاءه، ومن ظلٍّ يطول فقط ما دامت الشمس في جهته؟
فإن أخطر ما يفعله الاستكبار بضحاياه أنه قد يصنع من بعضهم حراساً لأبوابه؛ فيظن المرء أنه اقترب من القوة حين اقترب من الطاغية، بينما هو يبتعد في الحقيقة عن نفسه، ويتنازل، مع كل خطوة يخطوها بهذا الاتجاه، عن الجزء الذي لا يُعوَّض من كرامته.
لا تراهنوا على أن كثرة الأنصار تمنح الباطل حصانةً أبدية، ولا على أن السلاح يمحو السؤال الأخلاقي، ولا على أن ما ينجو اليوم من الحساب ينجو إلى الأبد من عواقب أفعاله.
فالسنن لا تُلغى بالتصفيق، والضمير لا يُبرَّأ بأوامر الرؤساء، والتاريخ، وإن تأخر في النطق، لا يظل صامتاً إلى الأبد.
إن الذل ليس أن تخسر امتيازاً منحه لك صاحب سلطة؛ إنما الذل أن تخسر نفسك كي تحتفظ بهذا الذي تظنه امتيازاً.
فالكرامة ليست في أن تنتسب إلى من تراه منتصراً، إنما في أن تظل قادراً على التمييز بين القوة والحق، حتى عندما يصبح التمييز بينهما مكلفاً جداً.
فعودوا إلى أنفسكم قبل أن تعودوا إلى حساباتكم؛ إذ قد ينجو المرء من سقوط سيده، لكنه لا ينجو بالضرورة من سقوطه في عين نفسه.
وهكذا تتلاقى برقياتي الثلاث عند حقيقة واحدة: المستكبر مدعوّ إلى مراجعة وهمه، والمستضعف مدعوّ إلى صيانة رجائه، والمتواطئ مدعوّ إلى استرداد ضميره.
لكلٍّ منهم في النهاية باب، بيد أن هذه الأبواب لا تُفتح جميعاً بالمفتاح نفسه.
وليس لنا أن نزعم امتلاك مفاتح الغيب، أو أن نقرأ كل واقعةٍ بوصفها حكماً نهائياً على أصحابها؛ فذلك علمٌ يتجاوزنا.
إنما ينبغي أن نقرأ في التاريخ إشاراتٍ تردّ الإنسان إلى حجمه، وتحرّر القوة من غرورها، وتذكّرنا بأن العالم أوسع من حساباتنا، وأن الأسباب التي نراها ليست بالضرورة كل الأسباب.
قد تكون الذبابة أضعف من أن تُذكر في بيانات الجيوش، لكنها تظل سؤالاً قائماً عن حدود قدرة الإنسان؛ وقد يكون خيط العنكبوت أرقّ من أن يحمي بيتاً في أعيننا، لكنه يغدو في لحظةٍ من لحظات التاريخ علامةً على نجاة نبي وصديق لم ترد في تقديرات المطاردين.
على أية حال، فإن العبرة ليست في أن ينتصر الضعيف، لكن في أن القوي لا يملك هو كذلك ضمانةً أبدية للنصر؛ وليست العبرة أن كل مستكبر يُهزم بالطريقة نفسها، بل أن الاستكبار لا يمنح صاحبه في النهاية حصانةً من عواقب أفعاله.
وفي بريد هذا العصر، تبقى البرقية الأخيرة مفتوحةً لكل قلبٍ أثقله الهم، ولكل روحٍ أرهقها الانتظار: يا صاحب الهم، إن الهمّ ليس أبدياً، وإن الليل، مهما طال، لا يملك وحده حق كتابة الصباح.
أبشر بخيرٍ لا تدّعي معرفة موعده، واسعَ إلى فرجٍ لا تتوهم أنك أحطت بأسبابه؛ فبين ما نعرف وما لا نعرف فسحةٌ يتنفس فيها الأمل والرجاء.
يا صاحب الهم إن الهم منفرجٌ
أبشر بخيرٍ فإن الفارج اللهُ
الله يحدث بعد العسر ميسرةً
لا تجزعنّ فإن الكافي اللهُ
ولعل الرسالة الأعمق التي يتركها هذا القلم وراءه، أن نتواضع حين نملك، وألا نيأس حين نفقد، وألا نبيع ضمائرنا حين نُبتلى؛ فالعظمة ليست في أن نملك العالم، إنما ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نتوهم تغييره.
أما مفاتيح الغيب، فتبقى حيث ينبغي لها أن تبقى؛ لا في قبضة المتجبر، ولا في يقين المتعجل، لكن وراء أفقٍ يذكّر الإنسان، كلما انتفخ بوهم السيطرة، بأنه ليس سيد السنن، وأن في هذا الوجود من الأسرار ما يكفي لأن يظل العقل متيقظاً، والقلب متواضعاً، والرجاء حياً.
