
حكم إيطالي يلزم «رينا» بدفع 60 مليون يورو لضحايا العبّارة المصرية «السلام
الغدالسوداني ( وكالات)أصدرت محكمة مدنية في مدينة جنوة الإيطالية حكماً بإلزام شركة «رينا» المتخصصة في تصنيف السفن وفحص سلامتها، بدفع أكثر من 60 مليون يورو تعويضات لنحو 700 من أقارب ضحايا العبّارة المصرية «السلام بوكاتشيو 98» والناجين من كارثة غرقها في البحر الأحمر عام 2006، بعدما خلصت إلى مسؤولية الشركة المدنية عن الحادث.
ويعيد الحكم، الصادر في 17 سبتمبر/أيلول والمعلن عنه في أكتوبر/تشرين الأول 2026، فتح ملف الكارثة التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص، بعد نحو 20 عاماً من وقوعها، كما يسلط الضوء على أوجه قصور فنية قالت المحكمة إنها ارتبطت بتصميم السفينة وإجراءات فحصها واعتماد سلامتها.
وشمل الحكم معالجة التفاوت في التعويضات التي حصلت عليها بعض النساء في مصر مقارنة بأقاربهن الرجال من درجة القرابة نفسها، إذ أمرت المحكمة بدفع فروق تعويضية لنساء اعتبرت أنهن حصلن على مبالغ أقل استناداً إلى قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية. ويظل الحكم أولياً وقابلاً للطعن أمام محكمة أعلى درجة.
حريق في البحر الأحمر ونهاية مأساوية
في الساعات الأولى من 3 فبراير/شباط 2006، كانت العبّارة «السلام 98» تبحر من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري، وعلى متنها أكثر من 1400 شخص، معظمهم مصريون يعملون في السعودية، إلى جانب حجاج ومعتمرين.
وخلال الرحلة، اندلع حريق في منطقة السيارات، وحاول الطاقم إخماده باستخدام المياه، لكن الأزمة تفاقمت مع تراكم المياه داخل السفينة وتعذر تصريفها بالكفاءة المطلوبة، ما أدى إلى اختلال اتزان العبّارة وميلها تدريجياً، قبل أن تنقلب وتغرق.
وفي اللحظات الأخيرة، سجل جهاز بيانات الرحلة، المعروف باسم «الصندوق الأسود»، نداءات استغاثة من البحارة والركاب. وتضمنت تسجيلات نُشرت مقتطفات منها في وسائل إعلام مصرية نداءات للربان تحذره من غرق السفينة، وسط استغاثات تطالب بسترات النجاة ووسائل الإنقاذ.
وأسفرت الكارثة عن مقتل أكثر من ألف شخص، فيما نجا بضع مئات من الركاب، لتصبح واحدة من أسوأ الحوادث البحرية في تاريخ مصر الحديث.
قصور فني في تصميم السفينة
لم تعتبر المحكمة الإيطالية الحريق وحده تفسيراً كافياً لغرق العبّارة، بل استندت إلى تقرير خبرة فنية خلص إلى وجود خصائص في تصميم السفينة لم تُشرح بصورة كافية في الوثائق المتاحة للطاقم.
وبحسب حسن الشلقامي، أستاذ النقل البحري، تتعلق إحدى النقاط الرئيسية بفتحات تنفيس خزانات الاتزان، التي كان تصميمها يؤدي إلى تصريف المياه الزائدة داخل منطقة السيارات بدلاً من إخراجها إلى خارج السفينة.
ورأت المحكمة أن عدم توضيح هذه الخاصية في الوثائق الفنية، إلى جانب عدم توفير أدلة تشغيلية باللغة التي يفهمها الطاقم، حدّ من المعلومات المتاحة أمامه لاتخاذ القرارات المناسبة خلال الطوارئ.
وعلى هذا الأساس، حمّلت المحكمة شركة «رينا» مسؤولية مدنية تتعلق بأوجه قصور في الفحص والتصنيف وإصدار شهادات السلامة، معتبرة أن المخاطر المرتبطة بتصميم السفينة لم تُوضّح على النحو الكافي.
في المقابل، تنفي الشركة مسؤوليتها عن الكارثة، وتتمسك بأن التحقيقات والإجراءات القضائية السابقة نسبت المسؤولية إلى مالك العبّارة وقبطانها، من دون إثبات مسؤوليتها عن الحادث.
من القضاء المصري إلى المحاكم الإيطالية
أثارت الكارثة غضباً واسعاً في مصر، وسط تساؤلات عن مسؤولية الشركة المالكة للعبّارة ومدى التزامها بمعايير السلامة، فضلاً عن دور الجهات التي فحصت السفينة وأصدرت شهاداتها الفنية.
وكان ممدوح إسماعيل، مالك العبّارة ورئيس شركة السلام للنقل البحري، عضواً في مجلس الشورى المصري وقت وقوع الحادث، وغادر البلاد إلى لندن قبل صدور قرار بمنعه من السفر، ما أثار انتقادات من أسر الضحايا التي طالبت بمحاسبته.
وفي يوليو/تموز 2008، قضت محكمة جنح سفاجا ببراءته وآخرين من التهم الموجهة إليهم في حكم أولي، قبل أن تطعن النيابة العامة عليه. وفي مارس/آذار 2009، قضت محكمة جنح مستأنف سفاجا بسجنه سبع سنوات غيابياً، كما أصدرت أحكاماً بالسجن على اثنين من مسؤولي الشركة.
وظل إسماعيل خارج مصر إلى أن سقطت عقوبة السجن الصادرة بحقه بمضي المدة القانونية، وفق إجراءات أُعلن عنها في ديسمبر/كانون الأول 2014، تضمنت رفع اسمه من قوائم الترقب والوصول ومخاطبة الإنتربول لوقف البحث عنه.
وبعد انتهاء المسار الجنائي في مصر، اتجه ناجون وأقارب ضحايا إلى القضاء الإيطالي، ورفعوا دعوى مدنية ضد شركة «رينا» والجهة التابعة لها، على خلفية دورهما في تصنيف السفينة وفحصها واعتماد شهادات سلامتها.
ودفعت الشركة بأن أعمالها نُفذت بتفويض من بنما، الدولة التي كانت السفينة ترفع علمها، مستندة إلى مبدأ الحصانة القضائية للدول. وأثار هذا الدفع تساؤلات قانونية بشأن مدى خضوع شركات التصنيف الخاصة للمساءلة أمام المحاكم الوطنية.
حكم أوروبي أزال عقبة قانونية
في إطار القضية، أحالت محكمة جنوة مسألة الحصانة القضائية إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، التي أصدرت حكماً في مايو/أيار 2020، قضى بأن تفويض شركة خاصة بأداء مهام نيابة عن دولة لا يمنحها تلقائياً حصانة الدولة من التقاضي.
وأوضحت المحكمة الأوروبية أن الأمر يتوقف على طبيعة الأنشطة التي مارستها الشركة، وما إذا كانت تتضمن ممارسة سلطات عامة.
ولم يحسم ذلك الحكم مسؤولية «رينا» عن غرق العبّارة، ولم يتضمن أمراً بدفع تعويضات، لكنه أزال عقبة قانونية أمام استمرار الدعوى المدنية في إيطاليا، تاركاً للمحكمة المختصة الفصل في مسؤولية الشركة.
وبعد سنوات من الإجراءات والاستعانة بخبرة فنية، خلصت محكمة جنوة إلى مسؤولية «رينا» المدنية، وألزمتها بدفع أكثر من 60 مليون يورو لنحو 700 من أقارب الضحايا والناجين، في حين بلغت مطالبات المدعين نحو 300 مليون يور وفق تقارير منشورة عن القضية
تعويضات النساء تثير مسألة المساواة
لم يقتصر الحكم على تحديد المسؤولية المدنية، بل تناول أيضاً كيفية تقدير التعويضات التي حصلت عليها بعض أسر الضحايا في مصر.
فقد رأت المحكمة أن بعض النساء تلقين تعويضات أقل من أقاربهن الرجال الذين تربطهن بهم درجة القرابة نفسها، استناداً إلى قواعد استُخدمت في تقدير التعويضات وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
واعتبرت المحكمة أن هذا التفاوت يتعارض مع مبدأ المساواة الذي يشكل جزءاً من النظام العام القانوني الإيطالي، وألزمت «رينا» بدفع الفروق المستحقة لبعض النساء اللاتي سبق أن حصلن على تعويضات في مصر.
أما الأسر التي لم تحصل على تعويضات سابقة، فاستند تقدير مستحقاتها إلى جداول التعويض المعمول بها في مدينة ميلانو، والتي أشارت تقارير إيطالية إلى أنها تتيح مبالغ أعلى بكثير من تلك التي دُفعت في مصر.
ولا يعني الحكم إعادة احتساب جميع التعويضات السابقة بصورة موحدة، إذ تختلف المستحقات وفقاً لكل حالة، وطبيعة الضرر، والمبالغ التي سبق الحصول عليها، ومسار المطالبة القضائية.
من يتحمل مسؤولية سلامة السفن؟
يعيد الحكم طرح أسئلة أوسع بشأن مسؤولية الشركات التي تتولى فحص السفن وتصنيفها واعتماد شهادات سلامتها، ومدى مساءلتها عندما ترتبط الكوارث بأوجه قصور فنية أو إخفاقات في إجراءات السلامة.
وأوضح الشلقامي أن شركات التصنيف لا تتولى تشغيل السفن، لكنها تؤدي دوراً أساسياً في فحصها والتحقق من استيفائها المعايير الفنية وإصدار الشهادات التي تعتمد عليها الجهات المعنية بالسماح لها بالإبحار.
وأضاف أن مسؤولية سلامة السفينة لا تقع على جهة واحدة، بل تشمل الشركة المشغلة والقبطان وشركة التصنيف والدول التي تُسجل السفن لديها، مع تحمّل الشركة المشغلة والقبطان مسؤوليات مباشرة عن التشغيل والتحقق من كفاءة أنظمة الأمان والحماية.
وفي قضية «السلام 98»، رأت المحكمة الإيطالية أن أوجه القصور المنسوبة إلى «رينا» ارتبطت بمخاطر فنية لم تُوضّح للطاقم بصورة كافية، في وقت واجهت فيه العبّارة حريقاً تطور إلى فقدان السيطرة على اتزانها وغرقها.
وبينما ينتظر الحكم احتمال الطعن عليه، تظل القضية محطة قانونية مهمة في مسار مطالبات أسر الضحايا والناجين، بعد عقدين من الكارثة التي لم تنتهِ آثارها بانتهاء التحقيقات والمحاكمات في مصر.
