
أزمة الدواء في السودان.. الدولار يرفع الأسعار والمرضى أمام خيارات صعبة
الخرطوم / الغد السوداني – مهند عبادي- تتصاعد أزمة الدواء في السودان مع استمرار ارتفاع أسعار الصرف وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تشهد فيه أسعار عدد من الأدوية زيادات متتالية أثقلت كاهل المرضى وأسرهم. وأصبح الحصول على العلاج، خصوصاً للأمراض المزمنة، عبئاً مالياً متزايداً، بينما يربط عاملون في القطاع الصيدلاني جانباً من الزيادات بعدم استقرار سعر الصرف وارتفاع تكلفة استيراد الأدوية ومدخلات تصنيعها،
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند ارتفاع الأسعار، إذ يواجه بعض المرضى صعوبة في توفير الجرعات المنتظمة أو اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على استمرارية العلاج وصحة المرضى
تأثير الحرب
ويرى مراقبون أن الحرب أدت إلى اضطراب كبير في سلاسل إمداد الأدوية، مع تضرر طرق النقل وتعطل عدد من المنشآت والمخازن وخروج مرافق صحية وصيدليات من الخدمة، فضلاً عن صعوبة وصول الإمدادات إلى بعض الولايات والمناطق المتأثرة بالنزاع، وتنعكس هذه الاضطرابات على انتظام توفر الأصناف الدوائية، خصوصاً الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأمراض المزمنة،كما أسهم ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتخزين، إلى جانب تقلبات سعر الصرف، في زيادة التكلفة النهائية للدواء ومع محدودية المخزون، يصبح أي تأخير في الاستيراد أو التوزيع قابلاً للتحول سريعاً إلى نقص في أصناف أساسية، ما يدفع المرضى إلى البحث عن الدواء في أكثر من صيدلية أو شراء كميات محدودة بأسعار مرتفعة، مشيرين إلى أن احتواء أزمة الدواء يحتاج لإجراءات عاجلة تبدأ بـتأمين مخزون استراتيجي من الأدوية الأساسية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والطوارئ، مع إعطاء الأولوية للأصناف التي تشهد نقصاً متكرراً،كما تبرز الحاجة إلى تسهيل إجراءات الاستيراد وتوفير النقد الأجنبي للدواء بأسعار مستقرة، إلى جانب خفض الرسوم والتكاليف المرتبطة بدخول الأدوية ونقلها وتخزينها، ويحتاج القطاع كذلك إلى تنسيق أكبر بين وزارة الصحة والجهات الدوائية والموردين والمنظمات الإنسانية لضمان توزيع المخزون بصورة عادلة بين الولايات، وإنشاء آلية لرصد النقص والأسعار بصورة مستمرة، وفي المدى المتوسط، يمكن دعم الإنتاج الدوائي المحلي وتوفير المواد الخام والطاقة والتمويل للمصانع العاملة، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويمنح السوق قدرة أكبر على مواجهة تقلبات سعر الصرف واضطرابات الإمداد.
حرب على المواطن
وأكَّد عضو تجمع الصيادلة صلاح جعفر أن الزيادات الأخيرة في أسعار الأدوية تشكّل تهديداً خطيراً للخدمات الصحية، ووصفها بأنها إعلان حرب على المرضى في ظل الظروف الحرجة والراهنة التي تمر بها البلاد.
وأوضح أن هذا الارتفاع المتزايد يلقي بظلاله الثقيلة على الأهداف المرجوة من المنظومة الصحية، حيث يضطر الكثير من المواطنين إلى التضحية باحتياجاتهم الأساسية من غذاء وتعليم لتغطية الفاتورة العلاجية الباهظة، وأشار إلى أن ذلك أصبح سلوكاً قهرياً لدى الأسر التي تضع علاج مريضها كأولوية قصوى على حساب الموارد الأسرية المحدودة.
تداعيات صحية واقتصادية خطيرة
وحذَّر من التداعيات المباشرة لهذا الوضع، مبيناً أن عجز المرضى عن تحمل تكاليف العلاج ينعكس في ممارسات صحية خاطئة وغير آمنة؛ كالتوقف عن إكمال الجرعات العلاجية، أو اللجوء للطب التقليدي والاستشارات غير المتخصصة، مؤكداً أن هذه الممارسات تؤدي إلى تفاقم الحالات المرضية، واستطالة فترات الشفاء، وظهور مضاعفات صحية معقدة،
وعلى الصعيد الاقتصادي، نبَّه الإفادة إلى أن استمرار عجز المواطنين عن الحصول على العلاج يؤثر سلباً على عجلة الإنتاج والاقتصاد القومي نتيجة لغياب الطاقات العاملة وتراجع قدراتها كما ينعكس ذلك في عمق أزمة الفقر وتفاقم حدتها وسط المجتمع، بعدما اضطرت أسر عديدة لبيع أصولها وممتلكاتها لتوفير تكاليف الدواء.
غياب الرؤية والسياسات الدوائية
وأرجع أسباب الأزمة إلى غياب رؤية وسياسات دوائية واضحة تراعي مصلحة المريض في المقام الأول. وانتقد الآلية الحالية لإدارة المؤسسات الصحية والصيدلانية، مشيراً إلى أنها ترتكز على إلقاء العبء والتكلفة المالية كاملة على كاهل المواطن دون مراعاة للمؤشرات الاقتصادية أو مستويات الدخل.
فيما قالت الطبيبة الصيدلانية نضال هشام في تصريح إن الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية يرتبط بصورة مباشرة بعدم استقرار سعر الصرف، مشيراً إلى أن القفزات المتكررة في أسعار العملات الأجنبية تنعكس سريعاً على تكلفة الأدوية،
وأوضح أن أسعار الأدوية أصبحت تشهد زيادات متواصلة، الأمر الذي انعكس بصورة أكبر على المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة، الذين بات بعضهم عاجزاً عن توفير العلاج بصورة منتظمة.
وأضافت: هناك مرضى يأتون إلى الصيدلية بعد أن يصف لهم الطبيب عدداً من الأدوية، لكنهم لا يستطيعون شراءها جميعاً، ويطلبون الحصول على الدواء الأهم فقط، لأن إمكانياتهم المالية لا تسمح بشراء بقية الوصفة.
وأشار ت إلى أن ارتفاع أسعار الأدوية يتزامن مع ضعف استفادة المرضى من التأمين الصحي، في ظل انتشار الصيدليات الخاصة، فضلاً عن مشكلات تتعلق بتوافر الأدوية والتوكيلات الخاصة باستيرادها.
وقالت إن بعض الشركات تواجه صعوبات في الحصول على تصديقات التوكيلات الدوائية، بما فيها التوكيلات الخارجية، ما يؤدي إلى تركّز بعض الأصناف في أيدي عدد محدود من الجهات، وهو ما ينعكس، بحسب قوله، على توافر الأدوية وأسعارها.
وطالب الجهات المعنية، وخصوصاً وزارة الصحة، بإيلاء ملف الدواء اهتماماً أكبر، لا سيما الأدوية المنقذة للحياة، محذراً من أن عدم انتظام المرضى في تناول علاجاتهم، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة.
وأوضحت أن مرضى الضغط، على سبيل المثال، قد يتعرضون لمضاعفات خطيرة في حال توقفهم عن تناول العلاج، باعتبار أن عدم السيطرة على المرض قد يقود إلى تداعيات صحية أشد خطورة.
ولفتت إلى أن سوق الدواء يعاني كذلك من ندرة في عدد من الأصناف الأساسية، إلى جانب اختفاء بعض الأدوية المهمة من الأسواق، مشيراً إلى أن مشكلة التخزين تمثل تحدياً إضافياً في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
وأضافت أن الصيدليات ومخازن الأدوية تضطر إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية أو المولدات للحفاظ على درجات الحرارة المناسبة، خاصة بالنسبة للأدوية التي تحتاج إلى ظروف تخزين محددة، محذراً من أن عدم توفير درجات الحرارة المثالية قد يؤثر في جودة الدواء وفعاليته العلاجية، وأكدت أن ملف الدواء يحتاج إلى معالجة شاملة، متعهداً بمواصلة تناول القضية بصورة أكثر تفصيلاً وإسنادها بالبيانات والإحصاءات خلال الفترة المقبلة.
