السودان لا يحتاج قائداً يتحدى العالم… بل قائداً ينقذ السودان من الحرب
مهدي داود الخليفة يكتب ..
لم يكن خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في استاد الخرطوم مجرد ردٍّ على أزمة عدم حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنما حمل رسالة سياسية واضحة إلى الداخل والخارج: الحرب مستمرة، والقيادة العسكرية لا تنوي التراجع أمام الضغوط الدولية.
وقال البرهان أمام الحضور: (لا نريد تأشيرة لدولة، ولا نريد إذناً من أحد، سنبقى معكم هنا ونموت معكم هنا في هذا البلد)، في إشارة واضحة إلى أزمة التأشيرة الأميركية التي سبقت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ومن حق أي مسؤول سوداني، بالطبع، أن يرفض ما يراه مساساً بسيادة بلاده أو كرامتها الوطنية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس: هل استطاع البرهان تحدي الولايات المتحدة؟
السؤال الأهم هو: إلى أين يقود هذا التحدي السودان؟
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى قائد يثبت قدرته على تحدي واشنطن أو غيرها من العواصم، بقدر ما يحتاج إلى قائد رزين يمتلك شجاعة إخراج البلاد من حرب تهدد الدولة والمجتمع ووحدة الوطن.
واللافت أيضاً أن المسيرات التي خرجت تأييداً للفريق البرهان، واحتجاجاً على قرار الولايات المتحدة عدم منحه تأشيرة دخول، ورفعت شعارات تدعو إلى مواصلة الحرب وتحدي الضغوط الخارجية، لم تكن بالحجم الذي يمكن أن يُفهم منه وجود تعبئة شعبية واسعة خلف خيار استمرار الحرب.
وبالطبع، لا يمكن لمسيرة، مهما كان حجمها، أن تكون بديلاً عن قياس الرأي العام السوداني كله، خصوصاً في بلد يعيش حرباً ونزوحاً وانقساماً جغرافياً واجتماعياً عميقاً. لكن محدودية هذه المظاهر، مقارنة بحجم البلاد وعدد سكانها، تظل مؤشراً سياسياً يستحق التأمل.
لقد سألني، كما سأل غيري كثير من الدبلوماسيين الغربيين، عن ضعف أثر القوى السياسية في الداخل وغياب صوت السودانيين. وكانت إجابتي أن انتشار السلاح وتعدد المليشيات، إلى جانب القمع، أضعف قدرة المواطنين والقوى السياسية والمدنية على التعبير الحر والمنظم عن مواقفهم.
لكن المشهد الأخير يقدم إجابة أخرى مهمة: حتى عندما تُغلق المساحات السياسية، فإن صوت الداخل لا يختفي تماماً. وحجم المشاركة في الفعل العام، أو محدوديتها، يمكن أن يحمل رسالة سياسية تستحق أن تُقرأ.
فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، وبعد أن دفع ملايين السودانيين ثمنها من أرواحهم وأمنهم ومنازلهم ومصادر رزقهم، أصبح من المشروع أن نسأل:
أليس من الحكمة أن تستمع السلطة إلى أصوات السودانيين الذين أنهكتهم الحرب، لا أن تسمع فقط أصوات الذين يطالبون باستمرارها؟
وهل المطلوب من القيادة أن تقيس شعبيتها بعدد المشاركين في مسيرة، أم أن تقيس نجاحها بقدرتها على إعادة الأمن إلى المواطن، وإعادة النازحين إلى ديارهم، وإنقاذ الاقتصاد، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات، والحفاظ على وحدة السودان؟
إن التعبير عن تأييد القوات المسلحة ورفض التدخل الخارجي حق سياسي مشروع، كما أن رفض قرار الولايات المتحدة بشأن التأشيرة يمكن أن يكون موقفاً وطنياً مشروعاً.
لكن الدفاع عن السيادة لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لاستمرار الحرب.
فالسودانيون الذين يرفضون الحرب ليسوا بالضرورة ضد الجيش، كما أن الذين يطالبون بوقف القتال ليسوا بالضرورة مؤيدين للدعم السريع. هناك مساحة واسعة بين الاصطفاف مع أحد طرفي الحرب وبين المطالبة بإنقاذ السودان.
وهذه المساحة هي التي ينبغي أن تبحث عنها القيادة اليوم.
يدخل السودان عامه الرابع في حرب أكلت الدولة والمجتمع والاقتصاد، وحولت ملايين السودانيين إلى نازحين ولاجئين. وأصبح استمرار الحرب نفسه عاملاً في إضعاف مؤسسات الدولة، وتوسيع دائرة السلاح، وتعميق الانقسامات الاجتماعية والمناطقية.
أما الاقتصاد، فقد دخل مرحلة بالغة الخطورة. فقد تراجعت قيمة العملة الوطنية، وارتفعت أسعار الغذاء والدواء، وتآكلت دخول المواطنين، وتعرضت المدارس والمستشفيات والبنية التحتية والخدمات العامة لآثار الحرب.
فماذا يعني ذلك للمواطن السوداني؟
يعني أن راتبه فقد جزءاً كبيراً من قيمته، وأن احتياجاته الأساسية أصبحت فوق قدرة ملايين الأسر، وأن الدولة نفسها تفقد تدريجياً قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية.
فأي انتصار يمكن أن نتحدث عنه إذا كان الوطن نفسه هو الخاسر؟
ليتساءل الذين ما زالوا يدفعون باتجاه استمرار الحرب:
هل عاد الأمن إلى كل السودان؟
هل انتهت المليشيات؟
هل عاد الاقتصاد إلى عافيته؟
هل عاد ملايين النازحين إلى قراهم ومدنهم؟
هل عادت المدارس والمستشفيات إلى العمل بصورة طبيعية؟
وهل أصبحت الدولة السودانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أكثر قوة ومؤسساتية مما كانت عليه قبلها؟
هذه ليست أسئلة ضد الجيش، ولا أسئلة لصالح الدعم السريع.
إنها أسئلة تخص السودان نفسه.
فالجيش مؤسسة وطنية، وليس مشروعاً للحرب، ولا ينبغي أن يكون استمرار القتال هو المعيار الوحيد لقياس قوته. قوة الدولة لا تقاس بعدد البنادق، وإنما بقدرتها على حماية المواطن، وحفظ الحدود، وتوفير العدالة والخدمات، وإدارة الاقتصاد، ثم تسليم السلطة إلى حكومة مدنية تستمد شرعيتها من الشعب.
ويمكن للسوداني أن يحترم جيشه، ويرفض في الوقت نفسه استمرار حرب لا يرى لها نهاية سياسية واضحة. وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين واتهامات بالعمالة أو الخيانة الوطنية.
كما أن هذه الحرب تفرض سؤالاً أوسع: ماذا جنى السودان من عقود الحكم العسكري؟
هل استطاع الحكم العسكري، في مجمل تجربته، أن يحقق للسودان الاستقرار والتنمية والديمقراطية ووحدة البلاد؟
الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون بالشعارات، وإنما بالنظر إلى النتائج والتجربة التاريخية.
والمفارقة اللافتة أن الفريق البرهان نفسه نشر في مجلة Foreign Policy مقالاً بعنوان «How to Bring Peace to Sudan»، عرض فيه رؤيته لإنهاء الحرب، وتحدث عن وقف دائم لإطلاق النار، وحوار سوداني، وجيش وطني واحد تحت إشراف مدني، وانتقال إلى حكم مدني وانتخابات حرة.
وكان يمكن لمثل هذا الطرح أن يكون مدخلاً عملياً نحو مسار سياسي جديد لو تبعته خطوات عملية باتجاه وقف إطلاق النار.
لكن بعد أيام قليلة جاء خطاب استاد الخرطوم بلغة أكثر تحدياً للضغوط الخارجية، ليؤكد أن الحرب ماضية حتى تحقيق أهدافها.
وهنا يحق للسودانيين أن يسألوا:
إذا كان السلام سودانياً كما تقول القيادة، فلماذا لا يبدأ السودان نفسه بخطوة سودانية نحو وقف إطلاق النار؟
وإذا كان الهدف النهائي هو جيش وطني واحد تحت سلطة مدنية، فلماذا لا يكون وقف الحرب وإعادة بناء المؤسسة العسكرية جزءاً من هذا المسار؟
لا يكفي أن نكتب عن السلام في المجلات الدولية.
السلام الحقيقي يُقاس بما يحدث على الأرض.
ولا ينبغي اختزال أزمة التأشيرة الأميركية إلى أزمة شخصية بين البرهان وواشنطن. من المشروع مناقشة الجانب الدبلوماسي والقانوني للقرار الأميركي، لكن تحويل القضية إلى معركة وطنية بين السودان والولايات المتحدة لن يحل مشكلة السودان.
السودان لا يحتاج إلى كسب معركة دبلوماسية بينما يخسر معركة البقاء.
والمشكلة لا تكمن فقط في استمرار الحرب بين الجيش والدعم السريع، وإنما أيضاً في اتساع دائرة التشكيلات المسلحة والقوى المقاتلة المرتبطة بالطرفين.
فلا يمكن بناء دولة حديثة إذا تحول المجتمع إلى معسكرات مسلحة، وأصبحت الحماية مرتبطة بالقبيلة أو الجهة أو التنظيم أو المليشيا.
لا يمكن أن تكون لدينا دولة حديثة وجيوش متعددة ومليشيات متعددة في الوقت نفسه.
والحل ليس استبدال مليشيا بأخرى، وإنما الوصول إلى جيش وطني مهني واحد، يخضع للسلطة المدنية والقانون، مع معالجة مستقبل جميع التشكيلات المسلحة ضمن عملية سياسية وأمنية متفق عليها.
ومن أخطر الأخطاء اختزال السودان في شخص قائده العسكري، أو اختزال الجيش في القيادة السياسية الحالية.
الجيش مؤسسة وطنية باقية، والقادة يتغيرون.
والسودان أكبر من أي قائد، وأبقى من أي مجلس سيادة، وأهم من أي حكومة مؤقتة.
ولهذا فإن انتقاد سياسات القيادة العسكرية لا يعني العداء للقوات المسلحة، كما أن المطالبة بوقف الحرب لا تعني الانحياز إلى الدعم السريع.
السوداني الذي يطالب بوقف الحرب لا يطلب من الجيش الاستسلام؛ بل يطلب من القيادة السياسية والعسكرية أن تبحث عن مخرج يحفظ الدولة ويمنع تفككها.
السيادة الحقيقية ليست أن يقول قائد: «لا نريد تأشيرة».
السيادة الحقيقية أن يستطيع المواطن السوداني أن يعيش في أم درمان أو الفاشر أو الجنينة أو نيالا أو الجزيرة أو كردفان وهو آمن.
السيادة أن يستطيع الطالب العودة إلى مدرسته، والطبيب إلى مستشفاه، والمزارع إلى أرضه، والتاجر إلى متجره، والنازح إلى منزله.
وأن يكبر الطفل السوداني وهو يعرف صوت جرس المدرسة أكثر من صوت الرصاص.
أما السيادة التي لا تستطيع حماية المواطن من الجوع والنزوح والقتل، فتحتاج إلى إعادة تعريف.
وربما تكون أصعب معركة يمكن أن يخوضها قائد عسكري هي أن يقرر متى يتوقف عن الحرب.
فالاستمرار في الحرب قرار سهل عندما تصبح لغة السلاح هي اللغة الوحيدة المستخدمة.
أما السلام فيحتاج إلى شجاعة سياسية أكبر.
يحتاج إلى الاعتراف بأن لا أحد يستطيع أن يحكم السودان بالقوة إلى الأبد، وأن الدعم السريع لا يمكن أن يكون بديلاً للدولة، وأن الجيش أيضاً لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة المدنية.
ويحتاج إلى أن يدرك الجميع أن السودان لن يستقر إلا بدولة واحدة، وجيش وطني واحد، وسلطة مدنية واحدة، ودستور واحد، وقانون واحد.
الفريق البرهان، قبل أن يكون قائداً للجيش ورئيساً لمجلس السيادة، هو سوداني يحمل مسؤولية تاريخية أمام شعبه.
والسؤال الذي سيبقى في نهاية المطاف ليس:
هل تحدى الولايات المتحدة؟
ولا:
هل حصل على التأشيرة أم لم يحصل عليها؟
وإنما:
هل استطاع أن ينقذ السودان من الحرب؟
هل حافظ على وحدة البلاد؟
هل أعاد بناء الدولة؟
هل أعاد السلطة إلى الشعب؟
وهل ترك وراءه سوداناً أكثر أمناً واستقراراً وديمقراطية؟
هذه هي الأسئلة التي ستبقى أمام التاريخ.
ولذلك فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطاب يتحدى العالم، ولا إلى مزيد من التعبئة للحرب، ولا إلى منافسة بين العواصم حول من يستطيع فرض إرادته على السودان.
السودان يحتاج إلى قيادة رصينة تمتلك شجاعة اتخاذ قرار السلام، وإلى قوى مدنية قادرة على توحيد صفوفها، وإلى جيش وطني مهني، وإلى عملية سياسية سودانية شاملة، وإلى عدالة لا تستثني أحداً.
فالوقت لم يعد يسمح بمزيد من المغامرات.
ومن أراد حقاً أن ينتصر للسودان، فعليه أن يسأل نفسه:
كم سودانياً يجب أن يموت حتى نكتشف أن الحرب لم تكن الطريق إلى إنقاذ الوطن؟
إن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه أي قائد سوداني اليوم ليس أن يهزم خصمه عسكرياً، وإنما أن يمنع انهيار السودان، وأن يفتح الطريق أمام سلام عادل، ودولة مدنية ديمقراطية، وجيش قومي واحد، ووطن يتسع لجميع أبنائه.
ذلك هو التحدي الحقيقي للقيادة.
وذلك هو الاختبار الحقيقي للتاريخ.
