ندوة «السودان إلى أين؟» في واشنطن: هل نفتح الأبواب أمام الجمهور أم نكتفي بالمدعوين
مهدي داود الخليفة يكتب ..
قرأتُ إعلاناً عن ندوة سياسية تعتزم قوى «صمود» تنظيمها في واشنطن، بمشاركة وفدها برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، تحت عنوان: «السودان إلى أين؟ رؤية قوى إعلان المبادئ للسلام والتحول المدني». وهو عنوان يلامس واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في حياة السودانيين، ويثير أسئلة مصيرية حول مستقبل البلاد، وسبل وقف الحرب، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.
غير أن ما استرعى انتباهي في الإعلان هو اشتراط التسجيل المسبق لحضور الندوة، مع التنبيه إلى محدودية المقاعد، والتأكيد الصريح على عدم السماح بأي استثناءات عند بوابة الدخول لمن لم يسجلوا مسبقاً.
وهنا يبرز سؤال مشروع، أطرحه بكل احترام وتقدير للمنظمين ولأعضاء الوفد: إذا كانت هذه ندوة جماهيرية، فلماذا يُشترط التسجيل المسبق ويُغلق الباب أمام من لم يتمكنوا من التسجيل؟ وهل نحن أمام لقاء جماهيري مفتوح، أم فعالية محدودة الحضور، تقتصر على من تسمح لهم إجراءات التسجيل بالدخول؟
لا شك أن تنظيم الفعاليات العامة، خاصة في العاصمة الأمريكية، قد تفرضه اعتبارات تتعلق بسعة القاعة، والترتيبات الأمنية، ومتطلبات الجهة المستضيفة. وهذه اعتبارات مفهومة ولا ينبغي التقليل من شأنها. لكن من المهم أيضاً أن يكون وصف الفعالية متناسباً مع طبيعتها الفعلية، وأن تُتاح للجمهور فرصة واضحة للمشاركة، ما دام الهدف المعلن هو التواصل مع السودانيين والاستماع إلى آرائهم.
لقد عشتُ في الولايات المتحدة لأكثر من عشرين عاماً، وشاركتُ في كثير من اللقاءات والندوات السياسية السودانية، ولم أعتد أن أرى إعلاناً عن ندوة جماهيرية يُصاغ فيه شرط الدخول بهذه الدرجة من الحسم، وكأن التسجيل المسبق هو الحد الفاصل بين من يحق له الاستماع إلى قياداته السياسية ومن لا يحق له ذلك.
ومع ذلك، فإنني لا أريد أن أستبق النوايا أو أن أتهم المنظمين بالتحفظ علي مشاركة الجمهور، فليس من الإنصاف الجزم بذلك دون معرفة دوافعهم. لكن مثل هذه الإجراءات قد تترك لدى بعض السودانيين انطباعاً بأن المنظمين يتحسبون لحضور جماهيري واسع، أو لأسئلة صعبة قد تُطرح على المتحدثين. ومثل هذا الانطباع، حتى إن لم يكن مقصوداً، يستحق المراجعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقوى تطرح مشروعاً للسلام والتحول المدني، وتحتاج إلى بناء الثقة مع قطاعات واسعة من الشعب السوداني.
ولعلني أستحضر هنا تجربة الإمام الصادق المهدي، عليه رحمة الله، الذي اعتاد زيارة الولايات المتحدة، وكان أول ما يسأل عنه لجنة الحزب هو: متى اللقاء المفتوح مع أبناء الجاليات السودانية؟
أتذكر أن بعض أعضاء الحزب كانوا يتحفظون أحياناً على تنظيم اللقاءات المفتوحة، خشية ما قد يصاحبها من أسئلة محرجة أو مواقف صعبة. لكن الإمام كان حاسماً في موقفه، إذ كان يرى أن القيادة السياسية لا ينبغي أن تخشى مواجهة الجمهور، وأن واجبها هو لقاء الناس، وشرح مواقفها، وتوضيح رؤيتها، لا سيما في ظل ما قد تتعرض له تلك المواقف من تشويش إعلامي أو تأويلات مغلوطة.
وكان يقول، في جوهر موقفه، إن علينا أن نلتقي الناس ونشرح لهم مواقفنا، ونعمل على إقناعهم بها.
وقد شهدتُ بنفسي كيف كانت تلك اللقاءات تتخللها أسئلة صعبة، وأحياناً جارحة، وربما تجاوز بعضها حدود اللباقة والأذواق العامة. ومع ذلك، كان الإمام يتقبلها بصدر رحب، ويرد عليها بمنطق هادئ، وبلغة مهذبة، وبما عُرف عنه من سعة الصدر والثقة بالنفس. وكثيراً ما كان اللقاء الذي يبدأ بشيء من التوتر ينتهي بأجواء ودية وأخوية، يتفاعل فيها الحضور ويصفقون للرجل الذي لم يتردد في مواجهة جمهوره، مهما كانت طبيعة الأسئلة.
لم تكن تلك اللقاءات مجرد مناسبة لاستعراض المواقف السياسية، بل كانت مدرسة في التواصل السياسي، وممارسة عملية لاحترام الجمهور، والإيمان بحقه في السؤال والاختلاف والمساءلة.
ومن هنا، فإن وفد «صمود»، وهو يزور واشنطن حاملاً رؤية للسلام والتحول المدني، أمام فرصة مهمة للتواصل المباشر مع السودانيين في الولايات المتحدة، والاستماع إلى مخاوفهم وتساؤلاتهم وانتقاداتهم. فالسودانيون الذين يتابعون تطورات الحرب، ويعيشون آلامها وتداعياتها، ليسوا مجرد جمهور للاستماع، بل شركاء في النقاش حول مستقبل وطنهم.
إن الثقة بالجمهور لا تعني غياب التنظيم، كما أن اللقاء المفتوح لا يعني التخلي عن متطلبات الأمن أو حدود سعة القاعة. لكن من الممكن، إذا كانت المقاعد محدودة، تخصيص آلية شفافة للتسجيل، مع إتاحة فرصة عادلة للحضور، أو تنظيم لقاء إضافي، أو توفير وسيلة تفاعلية تتيح لمن تعذر حضورهم طرح أسئلتهم مباشرة على الوفد.
إن السؤال الذي أطرحه ليس اعتراضاً على حق المنظمين في ترتيب فعاليتهم، ولا انتقاصاً من أهمية زيارة وفد «صمود»، وإنما هو دعوة إلى مراجعة مفهوم اللقاء الجماهيري ذاته.
فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى قيادات سياسية لا تكتفي بمخاطبة المؤيدين، بل تنفتح على المختلفين، وتستمع إلى الناقدين، وتواجه الأسئلة الصعبة بشجاعة ووضوح.
فالندوة السياسية لا تُقاس فقط بعدد الحاضرين، ولا بما يقدمه المتحدثون من رؤى، وإنما أيضاً بمدى استعدادهم للاستماع إلى الجمهور، وقبول مساءلتهم، واحترام حقه في أن يسأل: السودان إلى أين؟
