سرديات
.على أنّي لم أختر هذا الموضوع، إلا إجابةً لاقتراح بعض الأصدقاء، فلبيت الدعوة..
هكذا قال، فساورني شك عظيم في نوايا الأصدقاء الذين اقترحوا عليه هذا الموضوع!
عبارة من بضع كلمات، في ورقة وجدتُها على الطاولة، التي جلست إليها، أخذتني إلى زمن غير زماننا هذا، في حديث شائك، تأرجحت اطرافُه، صعودا وهبوطاً، فدعتني اتساءل:
*من هو جان دايه، وما هي الرحلة البحرية التي اخذت صاحبًها، من السويس الى سواكن؟*
آخر زيارة لي، لدار الوثائق القومية، كانت قبل الحرب بأشهر، في عهد الدكتور كبشور..وُجهت لي دعوة، لحضور اجتماع، ذي صلة بالتعاون بين دار الوثائق القومية وهيئة المحفوظات الوطنية في سلطنة عمان..بروفيسور ابراهيم الزين صغيرون، هو من رشحني لحضور هذا الاجتماع…ربما بسبب السنوات التي قضيتها في عمان، وعلاقتي ببعض رموز الادب والاعلام هناك..
في قاعة فخمة عقد الاجتماع، برئاسة البروف يوسف فضل..أمامي على الطاولة وجدت ورقة، ربما تركها من كان على نفس المقعد قبل انعقاد اجتماعنا…الورقة؛ والتي خلتُها في باديء الأمر، أجندة للاجتماع؛ لم يكن فيها شيءٌ، سوى عبارة باللغة الانجليزية تقول:
Jean Dayeh: The Diaries of Jurji Zaydan- A voyage to Europe and Sudan (1884-1886)..
أي: جرجي زيدان: يوميات رحلة بحرية إلى اوروبا والسودان (١٨٨٤-١٨٨٦)؛ تحرير جان دايه..
من هو جان دايه؟
لم اعرف عنه شيئا، ولكن الفترة
الممتدة من ١٨٨٤ إلى ١٨٨٦، اثارت اهتمامي، لأنني كنت ابحث من قبل، عن معلومات عن تلك الفترة، على خلفية آراء متباينة حول الدعوة المهدية، ومنها كتيب للدكتور عمر القراي أصدره آنذاك (٢٠٢٢؟)..
لم أتمكن من حضور الاجتماعات اللاحقة لهذه اللجنة، بسبب صعوبة التحرك من ام درمان إلى الخرطوم في ذلك الحين..كانت حكومة حمدوك آنذاك، تواجه عراقيل مدبرة بعناية، تضع استمراريتَها على المحك..
على أني كنت قبل هذا الاجتماع، قد زرت دار الوثائق مرتين، بحثا عن معلومات تخص فترة المهدية، كتبها بروف ابو سليم، ومقاربتها إلى الآراء المتباينة التي ظهرت آنذاك (٢٠٢٢؟)…
جان دايه من هو؟
سألت نفسي، ولم أجد إجابة..
أما جرجي زيدان، فكنت كلفا برواياته، خلال الدراسة الثانوية، حتى صرت من عشاق فنه في السرد الأدبي..روايات ممتعة من نسج الخيال ولكنها تأتي في سياق وقائع تاريخية:
المملوك الشارد، عذراء قريش؛ غادة كربلاء وصلاح الدين الايوبي وغيرها..
بحثي على الشبكة العنكبوتية عن إجابة لسؤالي عن *جان دايه،* وعن علاقة الفترة المذكورة في تلك الورقة (١٨٨٤-١٨٨٦) بمذكرات جرجي زيدان، أوصلني إلى ورقة علمية منسوبة لمجلة تسمى:
Journal of Intercultural Communication..
الورقة العلمية كانت غير مكتملة (بدت لي كأنها أطروحة لنيل درجة علمية-ماجستير/دكتوراه- مكتوبة باللغة الانجليزية) ولكنها تمحورت حول عمل للروائي جرجي زيدان بعنوان:
The Captive of the False Mahdi..
أي؛ *أسير المتمهدي..*
الرواية التي كنت قد قرأتُها ، كغيري كثر، في تلك المرحلة العمرية..
جرجي زيدان، كتب هذه الرواية، بعد مجيئه للسودان، كمترجم مع حملة ولسلي لانقاذ غردون…
الفترة التي ذكرها جان دايه تمتد من ١٨٨٤-١٨٨٦ وهي مرحلة حساسة من تاريخ السودان: مقتل غردون وسقوط الخرطوم..
الدراسة غير المكتملة والمنسوبة لمجلة Journal of Intercultural Communication اعادت شريط ذكرياتي لرواية *أسير المتمهدي*، والتي كان اعجابي بها شديدا..
ولكن عبارة False Mahdi كمقابل لكلمة (المتمهدي)، جعلتني ابحث عن الرواية من جديد؛ لإحساسي بأن وراء الكلمة ما وراءها (رغم أني، حين قرأتُها -اي كلمة المتمهدي- في زمن الشباب، لم تستوقفني أبدا!)..
قرأتُها من جدبد على الشبكة العنكبوتية (مع أن بعض الصفحات كانت متآكلة الأطراف؛ مما حال دون فهم الكثير من فصولها أو تخيله) فاكتشفتُ خطل رأيي، حين اختزلت الرواية كلها حينذاك، في قصة حب بين شفيق وفدوى؛ وهما الشخصيتان الرئيستان في الرواية..
بين قصة الحب المتخيلة والتاريخ، كان الأمر مختلفا؛ وفات علي استيعابه في تلك المرحلة العمرية، التي كانت فيها قصص الغرام، أكثر لفتا للأنظار من وقائع التاريخ؛ متى جاءت في ثنايا الحكي..
في المذكرات التي نشرها جان دايه بعنوان *رحلة بحرية إلى السودان*؛ قال جرجي:
خرجنا من السويس بحراً إلى سواكن، ومن سواكن براً نحو بربر والخرطوم. كنا في جيش إنجليزي كبير، جاء ليفك الحصار عن غوردون باشا، المحاصر في الخرطوم، من جيش المهدي..
*عن معركة أبو طليح و معركة المتمة؛ اسمعه يقول:*
رأيت بأم عيني آلاف القتلى والجرحى في الصحراء، والجيش الإنجليزي بمدافعه الحديثة يحصد الأنصار الذين يهجمون بالسيوف والرماح وهم يهتفون.
ثم وصف العطش الشديد، وقلة الماء، وحرارة الصحراء في السودان، وكيف كان الجنود يموتون من التعب قبل الرصاص.
في مذكراته تلك، أبدى المؤلف تعاطفا مع اهل السودان وقال عنهم (*إنهم شجعان ومؤمنون بصدق بالمهدي، لكنهم مخدوعون بزعيم يَعِدهم بالجنة ويأخذهم للموت*)…
وقال: وصلت الحملة متأخرة، بعد أن كان المهديون قد دخلوا الخرطوم، وقتلوا غوردون. فعاد الجيش حزيناً.
هذه اليوميات كانت هي الأساس، الذي بنى عليه جرجي زيدان رواية أسيرة المتمهدي، والتي قال عنها (*على أنّي لم اختر هذا الموضوع؛ إلا إجابة لاقتراح بعض الأصدقاء؛ فلبيت دعوتهم*) ..بمعنى انه
كان يكتب عن بلد رآه وتجول فيه، وليس عن بلد سمع عنه، ولكنه مع ذلك، كان يكتب من وحي اصدقائه، الذين اقترحوا عليه موضوع الرواية (أسير المتمهدي)…
نحن -القراء لا نعرف من هم هؤلاء الاصدقاء؛ ولكن المذكرات التي اشرف على تحريرها *جان دايه* تلمح إلى من هم!
جرجي زيدان أسمى عمله *رواية تاريخية* مما يستوجب على القاريء، قراءتَها بالتوازي paratext؛ أي بالجمع بين السرد التاريخي (الذي هو الأصل) والسرد الأدبي (والذي هو فرع يحركه الخيال)..
زيدان كتب الرواية سنة 1892، بعد 10 سنوات فقط، من الثورة العرابية، وفشلها ودخول الإنجليز لمصر 1882.
يفهم من السرد أن *المهدي، عند زيدان، هو إسقاط على أحمد عرابي وعلى أي زعيم شعبي يدعي أنه ينقذ الدين والوطن بالصراخ.*
زيدان يتساءل في سرده (التاريخي والمتخيل) كيف يصدق البسطاء أن المهدي لا تصيبُه الرصاص، وأنه يبارك الماءَ فيشفي المرضى.. إنه لا يهاجم محمد أحمد المهدي فقط، بل يهاجم بالاسقاط authorial projection
فكرة “الزعيم المقدس” التي رأها في القاهرة: الناس كانت (تقبل يد عرابي وتقول إنه مرسل من الله، لطرد الأتراك والإنجليز)…
زيدان – كعلماني لبناني – يقول: إن أية *قداسة سياسية ما هي إلا كذب بواح..*.
عندما يصرخ جنود المهدي “الجهاد ضد الكفار” ويهجمون على بيوت الأقباط في الخرطوم ويأخذون *فدوى*، زيدان، يسقط ذلك على ما حدث في مصر سنة 1881-1882 عندما هجم الغوغاء على محلات الأقباط والاوروبيين في الإسكندرية بدعوى “الإسلام في خطر”. الرسالة التي يوجهها زيدان للقاريء هي أن التعصب باسم (المهدي أو باسم الوطنية سيأكل الأقليات أولاً)..
لذلك فهو يقول للمصريين سنة 1893: لا تتبعوا أي زعيم يقدس نفسَه باسم الدين، وإلا سيُفنى الاقباط ومن ثم يضيع الوطن.
إن استخدام زيدان لكلمة (المتمهدي) جعلني أغوص أكثر عند تحليلي للرواية لمعرفة ميول الروائي -مع ربط ذلك بقوله في مقدمته (*على أنّي لم أختر هذا الموضوع، إلا إجابة لاقتراح بعض الأصدقاء؛ فلبيت الدعوة*!)..
من هم هؤلاء الاصدقاء؟
سألت نفسي…
إنَّ صياغة عنوان الرواية — « *أسير المتمهدي* » على هذا النحو — جعلت المؤلفَ يميل منذ اللحظات الأولى، وقبل أن تبدأ أحداث الرواية، إلى اتخاذ موقفٍ مُعادٍ للثورة أو الحركة المهدية في السودان، أواخر القرن التاسع عشر، بل تَنطوي الصياغة على انحياز استعماري مبدئي لصالح الإنجليز؛ وذلك لأن غوردون باشا (١٨٣٣–١٨٨٥م) كان هو أولَ مَن استعمل كلمة « *المتمهدي*» في وصف قائد الثورة المهدية في السودان، محمد أحمد عبد الله (الملقَّب بالمهدي)، وذلك ( للتحقير من شأنه، وبيان كذبه وافترائه)، في ردِّه على رسالة أرسلها له المهدي، وهذا نصُّها:
من غوردون باشا والي السودان إلى محمد أحمد المتمهدي:
وصلني كتابك الركيك العبارة، العاري عن المعنى، الدالُّ على سوء نيتك وخبث طويتك، وعن قريبٍ ستُبْلَى بجيوش لا طاقة لك بها وتكون أنت المسئول أمام الله عما يُسْفَك من الدماء، كما أنك أنت المسئول الآن عمَّن أعميت قلوبَهم وغَشيتَ بصائرَهم ويَتَّمْتَ أطفالَهم وخربت ديارَهم، وكنتُ لا أرى حاجة إلى مخاطبة رجل مثلك، جاحد النعمة عادم الذمة، لكني تعلَّقت بأذيال الأمل، راجيًا من الله أن يتجلى على فكرتك الجامدة، فتلقى النصيحة بيد القبول وتعلو متن سلطنة، مكَّنتك منها، وكان دون نَيْلها خرْط القتاد، وها أنا مستعدٌّ لقدومك ومعي رجال أقطع بهم أنفاسك والعاقل مَن تدبر والسلام..
(النص الانجليزي لرسالة غردون موجود في نهاية السردية..).
وقد كتب غوردون ردَّه ذاك على المهدي-كما قال- بعد أن استشار هيئة من علماء الخرطوم، بشأن دعوى محمد أحمد عبد الله، بأنه المهدي المنتظر، فأجابوه ببطلان دعواه شرعًا وحكموا بتكذيبه… وهكذا، أصبحت صفة *المتمهدي* علامة لغوية استعمارية، كما تراءت لي من خلال قراءتي للرواية بالتوازي،
Paratext
اي بالجمع بين السرد التاريخي والسرد الروائي المتخيل..
والحديث ذو شجون؛ فبينما كانت الصحف البريطانية تحث حملة انفاذ غردون على الاسراع، كان لصحف آيرلندا رأي آخر..
ففي أيرلندا بين 1883 و 1885، كانت الصحافة الوطنية الأيرلندية تشجع المهدي علناً وتشيد ببطولة الأنصار..
وكان ذلك بمفهوم *عدو عدوي صديقي*…
عندما أُذلت بريطانيا في السودان – أولاً بإبادة جيش هكس باشا في 1883، ثم بقتل غوردون في الخرطوم في 1885 – كتبت الصحف الوطنية عناوين مثل _”بالتوفيق أيها المهدي؛ إسرع وأقض عليهم Speed the Mahdi!”_
صحف مثل _United Ireland_ و _Freeman’s Journal_ قالت: *المهدي يفعل بالإنجليز في السودان، ما نريد أن نفعله بهم في أيرلندا*. وكانوا يشبهون أنصار المهدي بالفلاحين الأيرلنديين الذين يحاربون ملاك الأراضي. كانوا يكرهون غلادستون في أيرلندا، لذلك كان الاحتفال بهزيمته في السودان ضخماً.
وفي أمريكا هناك نص في متحف
سميثسونيان يقول ” الثوار الأيرلنديين من شيكاغو أعربوا عن استعدادهم على ارسال مجموعة من قدامى محاربي (الحرب الأهلية الأمريكية) للقتال _مع_ جيش المهدي ضد بريطانيا…”..
وفي بريطانيا نفسها كان هناك، في الواقع، آلاف الجنود الأيرلنديين؛ في الجيش البريطاني الذي أُرسل لقتال المهدي في السودان. فكان هناك أيرلنديون يقاتلون على الجانبين رمزياً – بعضهم مجبر على القتال من أجل الإمبراطورية، والبعض الآخر يشجع هزيمتها في الوطن.
ولذلك قُرئت الثورة المهدية في السودان في دبلن -آبرلندا-ليس كحركة إسلامية، بل كثورة مناهضة للاستعمار – تماماً مثل ثورتهم هم ضد البريطانيين..
عموما خلاصة قراءتي الأخيرة لرواية أسير المتمهدي، والتي كنت كلفاً بها لحد بعيد، أكدت لي ضرورة ان تقرأ الروايات التاريخية، أكثر من مرة حتى يستبينَ أبيضُ خيطها من أسوده..
جرجي زيدان كتب رواية أسير المتمهدي، كما ارادها من رأى فيهم الصلاح لإدارة الدول العربية..
تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد أحمد-
نص رسالة غردون بالانجليزي 👇..
From Gordon Pasha, Governor of Sudan, to Muhammad Ahmad al-Motamahdi: I have received your letter, weak in expression, devoid of meaning, indicative of your ill intent and the malice of your inner self, and soon you shall be afflicted with armies that you have no power against, and you will be held responsible before God for the blood that will be shed, just as you are now responsible for those whose hearts you have blinded and whose insight you have covered and whose children you have orphaned and whose homes you have ruined. And I saw no need to address a man like you, ungrateful for favor, lacking in conscience, but I clung to the tails of hope, hoping from God Almighty that He would manifest upon your darkened thought so that you would receive advice with acceptance and ascend the back of a sultanate that enabled you and without attaining which would have been like plucking thorns, and here I am ready for your coming and with me are men with whom I shall cut off your breath, and the wise is he who reflects..
