سياحة على طريق النوافل والواردات؟!
الجميل الفاضل يكتب:
ليس بين العبد وربّه طريقٌ يُقطع، ولا مسافةٌ تُطوى؛ فالذي يطلب القرب من الله، كأنما يطلب من النور أن يرفع ستره، ويكشف حجبه.
فالله قريب، ولكن كم من قريبٍ محجوب، وكم من بعيدٍ هو أقرب من حبل الوريد.
لذلك، لم يكن الطريق إلى الله طريقًا تمشيه الأقدام، إنما طريقًا تسلكه القلوب.
وقد يبدأ السير بركعةٍ لا يراك فيها أحد، أو دمعةٍ مباغتة، أو صدقةٍ أخفيتها حتى عن نفسك، أو بقلبٍ استطاع، في آخر لحظة، ألّا يردّ أذىً بأذى.
ثم يمضي العبد، وهو يظن أنه يتقرّب إلى ربّه، حتى يتلقّى بشارة القبول، تتبعها شارة الحب:
«لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه».
تأمّل: لم يقل حتى أعرفه، ولا حتى يكثر علمه أو عمله؛ قال: حتى أحبّه.
فالقرب، في آخر سرّه، ليس بكثرة ما تعلم أو تعمل، إنما بأن يجتبيك، ثم يرقيك في مدارج القرب والحب والوصال.
وهنا ينكشف أول السر: ما أكثر الأبواب التي لا تبدو أبوابًا.
قد يُفتح لك من سجدة، أو كسرة، أو دمعة، أو من مخلوقٍ ضعيف أقمت كسره.
امرأةٌ سقت كلبًا عطشان، فغُفر لها؛ لتقول لنا هذه القصة ما لم تقله المواعظ: قد يكون الباب الذي تدخله إلى الله مخلوقًا كنت تظنّه أدنى منك.
ولهذا قال النبي ﷺ: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا».
فربّ معروفٍ صغيرٍ في عينك، كبيرٌ في ميزان الغيب.
وربّ شقّ تمرةٍ تتقي بها النار، أوسع من يدك حين يبلغ الميزان الذي لا تعرفه.
هنا يبدأ انكشاف السر: نحن نزن الأشياء بأحجامها، والسماء تزنها بجوهرها.
نحن نرى الجسد، وينظر الله إلى القلب.
نرى اللحم والدم، ولا يناله منهما شيء؛ وإنما يناله من القرابين تقوى القلوب.
كأن الميزان الإلهي يقلب الأشياء من وجهها الذي نراه إلى وجهها الذي لا نراه.
الفعل واحد، لكن السرّ ليس واحدًا.
قد يصلّي اثنان، فتخرج من صلاة أحدهما تلك الرائحة، وتبقى صلاة الآخر في صورتها، صحيحةً في حركاتها، لم تغادر باب الجسد.
وقد يعطي اثنان، فتخرج من يدٍ صدقة، ومن الأخرى رزقٌ مقسوم لآخر.
فالمسألة ليست كمّ العمل، لكن ما الذي جعل العمل عملًا، والقول قولًا، والسلوك سلوكًا؟
ومن هنا يبدأ بندول التحوّل: من الصورة إلى السر، ومن الجسد إلى القلب، ومن كثرة الأعمال إلى صدق النوايا، ومن السبق إلى الإخلاص.
فالسبق حركة الأقدام، والصدق حركة الأرواح.
وقد يسبقك إلى الله من لم يسبقك بقيامٍ ولا صيام، لكن بشيءٍ في صدره لم يكن في صدرك؛ شيءٌ وقر، ثم صدّقه عمل ما.
ولعل هذا بعض سرّ أبي بكر الصديق؛ لم تكن المسألة في كثرة ما ظهر منه، بل في شيءٍ استقرّ في باطنه حتى صار ظاهره شاهدًا عليه.
ثم تأتي كيمياء أعقد:
﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
ليست السيئة بحد ذاتها هي التي صارت حسنة، وإنما الرحمة دخلت إلى الماضي، فأعادت ترتيب موقعه في الحاضر.
فالذي تاب وأناب حقًا قد يحمل من سقوطه ما لا يحمله القائمون على أقدامهم: يعرف الضعف فيرحم الضعفاء، ويعرف العثرة فلا يكسر المتعثّر، ويعرف ظلمة الطريق فيصبح في قلبه مصباحًا للآخرين.
كأن الله لا يمحو الصفحة السوداء فقط، بل يعيد كتابة معناها.
ثم، حين تسقط بعض الحجب، لا يعود السؤال: كيف أصل؟، لكن: ماذا فعل بي هذا الوصول؟، وهنا يجيء السر الأعجب: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها…».
علي أية حال، فإن المقصود ليس أن تصير سمعًا أو بصرًا، لكن أن تبلغ من الصدق والمحبة مقامًا تتبدّل فيه علاقتك بحواسك وجوارحك؛ فلا تسمع كل ما تستطيع سماعه، ولا ترى كل ما تستطيع رؤيته، ولا تمتد يدك إلى كل ما تقدر عليه.
هنا تدخل الحواس في الأدب، والجوارح في النور.
يصبح البصر يرى مواضع الرحمة الدقيقة، والسمع يلتقط ما وراء الأصوات من إشارات، واليد أشدّ قدرةً على التورع والإمساك، وأشدّ قدرةً على الامتناع.
وهذا أرقّ ما في القرب: أنك لا تقترب لتملك، إنما لتُملَك؛ لا لتصير شيئًا أكبر، لكن لتسقط منك أشياء كانت تحول بينك وبين حقيقتك.
ومن هنا تتعدد الطرق وتتحد الغايات؛ هذا من النوافل، وذاك من التوبة، وثالث من الصبر، ورابع من الإحسان، وخامس من الرحمة بمخلوق، وآخر من جرحٍ طال به حتى صار بابًا.
أبواب الوصول إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، لكن الذي يفتح الباب ليس كثرة الطَرق عليه، بل صدقٌ مشعّ ينبعث من داخلٍ شفيف.
وربّ خطوةٍ حسبتها منك كانت هي منه، وربّ بابٍ ظننته مغلقًا، كان يُؤخَّر فتحه حتى تنضج للحظة عبورك.
وربّ سقوطٍ حسبته نهاية، وكان الله يهيّئك به لبداية لم تكن تراها.
وقد ألمح ابن عطاء الله السكندري إلى هذا بقوله: «ربّ معصيةٍ أورثت ذلًّا وافتقارًا، خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزًّا واستكبارًا».
وقوله: «ربّما أعطاك فمنعك، وربّما منعك فأعطاك، ومتى فُتح لك باب الفهم في المنع، صار المنع عين العطاء».
فإذا التفتَّ وراءك، فلن تجد طريقًا مستقيمًا من غير تعرّج أو تعثّر أو انحناء.
ستجد، ربما، يدًا خفيةً كانت تنقلك من حالٍ إلى حال، وبوصلةً تهديك إلى سواء السبيل:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وعندها تفهم لماذا قلّل أهل الذوق الكلام عن الطريق.
فالطريق سرّ، والقرب سرّ، والمحبة سرّ.
لكن أشدّ الأسرار خفاءً أن تكتشف، بعد كل هذا السير، أن المسافة لم تكن بينك وبين الله سبحانه وتعالي، وإنما كانت بينك وبين قلبك الذي بين جنبيك.
إذ كلما اقترب قلبك من ربّه، تغيّرت أنت؛ فتغيّر سمعك وبصرك ويدك، وتغيّر إحساسك بالعالم كله.
لا لأن العالم تبدّل، لكن لأن الحجاب الذي بينك وبينك قد انقشع.
