سرديات
قالوا؛ والله يكفينا شر القوالة..
هكذا، يبدأ كلُّ مَن اراد أن يبهتَ شخصاً، حديثَه في الغيبة أو البهتان..
طيب؛ يا جماعة الخير، لِمَ الاستعاذة بالله، طالما كنت مقبلاً على القوالة بكامل ارادتك..كيف تريد ان يكفيك الله شر القوالة، وأنت مهرول نحوها، بلا كابح يحول دون مقصدك؟!
لتمييز الغيبة عن البهتان، قال العارفون، إذا كان العيب حقيقيا وموجودا في الشخص؛ فهذه هي الغيبة، اما إذا كان العيب غير موجود فيه، وتم افتراؤه واختلاقه، فهذا يعتبر بهتانا و ظلماً أكبر..
الأستاذ جمال حسن سعيد، يعد أحد أميز أهل الدراما في السودان، إلى جانب قدرته الابداعية الفائقة، التي شهد بها الناس، في مجالات أخرى منها الشعر، والإخراج والإعلام، بوجه عام..
شاهدت قبل أيام، مقطعَ فيديو، متداولاً في الوسائط، يعالج فيه الأستاذ جمال، هذه الظاهرةَ في قالبٍ كوميديٍّ مدهش..
ورغم أن مدة المقطع لا تزيد على بضع ثوان، إلا أن الفكرة، التي يتمحور حولها العمل الدرامي للاستاذ جمال ومعه بعض زملائه؛ والتي تعري تداعيات “القوالة” في قالب كوميدي سهل الاستيعاب، لا تغيب عن الأذهان..
المقطع يصور جمالاً وزملاءه، وهم في ظل شجرة وريفة، يتسامرون اثناء النهار..وكل من مر امامهم؛ رجلا كان أم إمرأة، شابا كان ام طفلا، كان هدفا مشروعا-حسب فكرة الاسكتش- للحديث عنه، بالذي لا يعرفونه عنه؛ اختلاقا، لتوضيح فكرة الاسكتش..تمنيت لو كان المقطع كاملا، لتعم الفائدة بقدر أكبر..
والبهتان ظاهرة ليست حكراً على مجتمع دون غيره، بل هي آفة تناول فكرتها مؤلفون كثر في الشرق والغرب، وكانت مسرحية مدرسة الفضائح،
The School for Scandal
هي الشاهد دون غيرها، على استفحال ظاهرة البهتان في المجتمع الانجليزي في القرن الثامن عشر…
ويليام هازلت William Hazlitt يعد احد أشهر النقاد والكتاب في تاريخ اللغة الانجليزية..
عن مسرحية مدرسة الفضائح قال لولاها (لغاصت لندن ومجتمعها المخملي في وحل البهتان، الذي ينخر في عظم المجتمعات حتى تتهاوى)..
مسرحية مدرسة الفضائح كتبها أحد أشهر كتاب انجلترا في القرن الثامن عشر، وهو ريتشارد شريدان..
وتقديرا لعطائه الابداعي، دُفن شريدان في مقبرة واحدة تعرف بركن الشعراء Poets’ Corner في وستمنستر آبي، تضم تشوسر وروديارد كيبلينج وتي اس إليوت..وعن هذا الركن يقول النقاد (الأدب الانجليزي مدفون هنا لمن أراد أن يعرف عنه شيئا-إسأل ما شئت، فتأتيك الإجابة بالحقيقة التي جاءت على أفواه هؤلاء الموتى)..المقبرة مزودة بأجهزة تفاعلية حديثة، تمكِّن الراغبين من الأخذ والرد، حول المعلومات التي يريدونها عن هؤلاء العظام..
مسرحية مدرسة الفضائح تقول بايجاز؛ نحن لا نبيعُك الحقيقةَ، ولكننا نبيعُك شيئاً، أجمل منها!..
Truth is not among the ingredients of our merchandise, but we sell you something prettier than truth.
فلا غرو إن كان جمهورها أكثر من جمهور الكنيسة!
في صالونات لندن المخملية، حيث الشموع لا تضيء بقدر ما تفضح، تجتمع ثلة من العطالى الأنيقين، أقسموا ألا يتركوا سمعة إلا مزقوها، ولا بيتاً إلا هتكوا ستره. أسموا أنفسهم سخريةً “مدرسة”، وما كان لهم من علم إلا علم القيل والقال، يذبحون الناس بألسنتهم ثم يبكون عليهم في جنازاتهم…
مدرسة الفضائح تضم شخصيات رئيسية من بينها الأخوان:
جوزيف..
رجل يتمسك بالدين متظاهرا..
ويتزلف بالتقوى تمظهرا..ويجتهد في الوقت ذاته، في تزيين الباطل، والانصياع وراء رغباته الوضيعة، من وراء حجاب..جوزيف يعامله الناس باحترام وتوقير بسبب ما يقوله المظهر عن صاحبه..
لسانه تسبيح وقلبه سوق، يبيع الحكمة بالجملة ويشتري الرذيلة بالتقسيط..بمعنى أن لسانَه لا ينطق الا بالمواعظ والعبر، ولكن ما يبطنه (وهو الأخطر) لا يأتي الا في جرعات محسوبات بدقة.. أحبه الناس لأنه يحسن التمثيل، والتمثيل في لندن دين..في الكنيسة تجد المواعظ التي تجعلك تبكي خوفا وخشوعا..في المسرح تجد نفس المواعظ ولكن بشكل مضحك..لان ما اضحك المشاهد في المسرح، يجعله يسأل نفسه لاحقا: هل كنت انا المقصود ب قوالة المسرح؟!
Am I part of the School?
مؤلف المسرحية لم يكتبها فقط لاضحاك الناس، بل ليجعل كل من شاهد المسرحية أن يسأل نفسَه سؤالا واحدا وهو يضحك (هل يا ترى أنا فعلت نفس الشيء بالأمس)..
و الأخ الثاني تشارلس..
سكير، مقامر، يبعثر مالَه على الموائد والنساء، لكنه لا ينال شرف أحد بلسانه. يكرهه الناس لأنه لا يحسن التمثيل كأخيه.
People despided Charles because he cannot play the hypocrite as his brother!
وبين الأخوين توجد ليدي تيزل، فتاة ريفية صغيرة جاءت للمدينة فأغوتها الأضواء، فظنت أن الحب ثوب جديد، وأن السعادة حفلة لا تنتهي، حتى وجدت نفسَها بين شيخ يملكها، وفتىً يكاد يهوي بها إلى القاع..
تضم المسرحية أيضا ليدي سنيرويل وهي مصدر التمويل؛ أي أنها هي التي تدفع المال لكي تنتشر الأكذوبة عن الشخص المستهدف..ونفهم من المسرحية أن هذه السيدة شُوِّهت سمعتُها بالكذب، وهي صغيرة، فأقسمت أن لا تدحض الشائعة التي شوهت سمعتَها بالصراخ كأن تقول باكية (انا بريئة..هذا محض هراء) وإنما بأن تؤذي الناس كما أذوها:
I confess I have since known no pleasure equal to the reducing others to the level of my own reputation..
اعترف أنني لم اجد منذ ذلك الحين، متعةً تضاهي متعةَ المساس بسمعة الآخرين، بنفس القدر الذي مس سمعتي!
وتبلغ المسرحية ذروتَها في مشهد الستارة:
جوزيف المتظاهر بالتقوى ويجيد التمثيل، يدعو ليدي تيزل إلى داره ليغازلها، ليسمعها ما لا تسمعه من زوجها العجوز.. زوجها السير بيتر يبحث عن زوجته في كل مكان ولا يجدها..فيلحأ لجوزيف (رجل الدين الذي لا يقربه الباطل) ليساعده..يطرق الباب..جوزيف يفهم من طريقة الطرق أن الطارق هو زوجها..فيخبئها تحت ستارة.. سير بيتر يدخل فيواسيه هذا على ما حل به..ثم يدخل شارلس السكير وبحسن نية يرفع الستارة من الأرض..فتظهر الحقيقة..الستارة لم تكشف عن المرأة المخبأة بقدر ما كشفت حقيقة المدينة كلها: أن القديس كان قوّاداً، وأن السكير كان شريفاً، خلافا لما يقوله مظهر كل منهما، وإجادة كل منهما للتمثيل!
هنا يكون المشاهد أمام محصلة مفادٌها: أن القوالة التي بنت المدرسة حجراً حجراً، هدمتها ستارة رفعت من على الأرض بحسن نية (وكأنها تعري الحقيقة التي كانت مغطاة بالتمثيل)..
المسرحية تقول:
نحن لا نصدق الكذب لأنه مقنع، بل لأنه مسلٍ، والفضيلة التي لا تلمع (كما الكذب) لا تجد من يصفق لها.
We do not believe a lie because it is convincing, but because it is entertaining-a virtue that does not glitter finds no one to applaud it..
“الفضيلة التي لا تلمع، لا تجد من يصفق لها”
المسرحية تريد من المشاهد أن يفهم أن الفضيلة الحقيقية (لا تلمع) إنها تكاد لا ترى بالعين…تأتي بلا ضوضاء (لا كميرات؛ لا صحافة؛ لا تهليل ولا تكبير) إنها تقدم نفسها بياناً بالعمل، بلا لسان ينشر ما فعلت!..
في المقابل نجد ان الفضيلة المزيفة (القوالة) تكون دائما في دائؤة الضوء لانها تعرف طريقها إلى هناك ..إنها تتلألا فيقصدها الناس سراعا..(الإشاعة تجذب إليها الناس كما الضوء الذي يجذب إليه البراغيث فتحترق)…
مؤلف المسرحية أظهر لنا هذا الموقف (من خلال فخ ينصبه بذكاء) كيف كان مجتمع لندن عام ١٧٧٧:
جوزيف يفهم السوق جيدا؛ يفهم ما يريده المجتمع:
المجتمع لا يكافئ الرجل الصالح؛ بل يكافيء من يبدو لهم صالحا.. لذلك استثمر هذا الجانب (بالتمثيل (الذي يخدع الناس) .. بالتنهيدة وبالموعظة الزائفة وبالدمعة في اللحظة المناسبة..
تشارلز هو العكس، لا يتظاهر بل يفعل ما يمليه عليه ضميره الحي (هو الحقيقة التي لا تتلالا)..
المغزى من المسرحية هي لو أن الفضيلةَ لا بد أن تلمع وتظهر ليمتدحها الناس، ويصفقوا لفاعلها، فكل الناس سيكون همهم الأول والأخير هو صنع اللمعان بدلا من صنع الفضيلة. وهذه هي غاية مدرسة الفضائح كما أرادها شريدان أن تكون..
إن كنا نحن جمهور المسرح نصفق للشيء الذي يلمع فنكون نحن من صنعنا جوزيف!
وما يقوله شريدان هو ما قصده الأستاذ جمال في ذلك المقطع الذي يختزل الكثير:
ليس القصد من الاسكتش هو فقط ان يضحك المشاهد مما يشاهد، بل القصد هو سؤال لا يُوجّه من على خشبة المسرح، بل هو موجود في داخلك يطرحه عليك ضميرك وانت تتابع المشهد ضاحكاُ:
هل انا أفعل نفس الشيء الذي، فعله الأستاذ جمال وزملاؤه تحت الشحرة؟
Am I part of the sketch?
هل انا هذا القوال؟
جمال لا يدعوك للضحك فقط، بل يدعوك بنفس القدر، لتوجيه هذا السؤال المحوري لنفسك، وأن تجيب عليه في قرارة نفسك!!
