
هل تفتح الحرب السودانية أبواب الإقليم أمام صراع أوسع؟!
الخرطوم / الغد السوداني – تتزايد المخاوف من أن تتجاوز الحرب السودانية حدودها، مع اتساع نطاق التحركات العسكرية وشبكات الإمداد المرتبطة بالصراع، وظهور مؤشرات جديدة على انخراط أطراف إقليمية بصورة أعمق في مسار الحرب.
وتضع التطورات الأخيرة دول الجوار أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد، بعدما باتت الحدود السودانية مع تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان مناطق مرشحة للتأثر المباشر بالتصعيد، فيما تحذر الولايات المتحدة من مخاطر انتقال الحرب إلى دول أخرى في المنطقة.
وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، أمام مجلس الأمن، إن استمرار التدخلات الخارجية في الحرب يرفع احتمالات جر دول الجوار إلى الصراع، بما يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.
من حرب داخلية إلى صراع عابر للحدود
وعلى مدى أكثر من ثلاثة أعوام، تحولت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع من مواجهة داخلية إلى صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية لدول عدة.
وتشير تقارير دولية إلى أن أطراف النزاع تحصل على إمدادات عسكرية ومعدات متطورة، إلى جانب مقاتلين وشبكات دعم تمتد خارج الحدود السودانية، الأمر الذي يمنح الحرب قدرة أكبر على الاستمرار ويصعّب جهود التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين إلى السودان لا يطيل أمد الحرب فحسب، بل يزيد أيضاً من احتمالات انتقال تداعياتها إلى الدول المحيطة.
وفي هذا السياق، لم تعد الحدود مجرد خطوط فاصلة بين الدول، بل تحولت إلى مسارات للإمداد وحركة النازحين ومناطق محتملة لتوسع العمليات العسكرية.
تشاد في دائرة الخطر
وتبرز تشاد بوصفها إحدى أكثر الدول عرضة لتداعيات الحرب، بحكم الحدود الطويلة مع إقليم دارفور وتشابك العلاقات القبلية بين جانبي الحدود.
وأثارت التطورات العسكرية قرب الحدود التشادية مخاوف من انتقال المواجهات إلى الأراضي التشادية، أو استخدام المناطق الحدودية كمنصات لوجستية في الصراع السوداني.
كما أن استمرار تدفق اللاجئين إلى تشاد يفرض ضغوطاً متزايدة على قدرات الدولة، في وقت تواجه فيه المنطقة أوضاعاً أمنية وإنسانية هشة.
وحذر خبراء من أن استمرار التصعيد قد يدفع دولاً في المنطقة إلى اتخاذ مواقف أكثر انخراطاً، بما يفتح الباب أمام نمط من الحروب بالوكالة بدلاً من المواجهة المباشرة بين الجيوش.
جبهة جديدة على الحدود الإثيوبية
وفي الاتجاه الشرقي، تثير التطورات في ولاية النيل الأزرق مخاوف مماثلة، خصوصاً مع الحديث عن تحركات عسكرية قرب الحدود الإثيوبية.
وتكتسب المنطقة أهمية استراتيجية بسبب قربها من إثيوبيا وتشابك الملفات الأمنية والسياسية بين البلدين، ما يجعل أي تصعيد فيها قابلاً للتطور إلى أزمة حدودية أوسع.
ويرى مراقبون أن انتقال العمليات العسكرية إلى مناطق جديدة، بالتزامن مع تحركات مرتبطة بالحرب خارج الأراضي السودانية، قد يخلق جبهات إضافية يصعب احتواؤها إذا دخلت أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
جنوب السودان أمام حسابات النفط والحرب
ولا يقل وضع جنوب السودان حساسية، إذ يرتبط اقتصاد الدولة بصورة وثيقة بتصدير النفط عبر الأراضي السودانية، فيما أصبحت الحرب تهدد طرق النقل والبنية التحتية اللازمة لاستمرار تدفق الصادرات.
ويضاف إلى ذلك وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين في دول الجوار، بما يزيد الضغط على الموارد والخدمات ويحوّل الأزمة السودانية إلى عبء إقليمي يتجاوز قدرات دولة واحدة على التعامل معه.
وتقول تقديرات إقليمية إن تداعيات الحرب باتت مترابطة بين ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتجارة، وهو ما يجعل استمرار القتال عاملاً مؤثراً في استقرار عدد من دول المنطقة.
مصر والبحر الأحمر في حسابات التصعيد
وتراقب مصر بدورها التطورات في السودان، خصوصاً ما يتعلق بأمن حدودها الجنوبية وتداعيات عدم الاستقرار على منطقة حوض النيل.
وفي شرق السودان، تبرز مخاوف أخرى مرتبطة بالبحر الأحمر، إذ يمكن لأي اضطراب واسع في السودان أن ينعكس على أمن الساحل وحركة التجارة والممرات البحرية، فضلاً عن علاقات القوى الإقليمية المتنافسة على النفوذ في المنطقة.
وتزيد هذه العوامل من حساسية الأزمة، بعدما أصبحت الحرب السودانية متصلة بمجموعة واسعة من الملفات الإقليمية، من أمن الحدود إلى الهجرة والطاقة والممرات البحرية.
حرب بالوكالة بدل المواجهة المباشرة
ويرجح ، أن يكون السيناريو الأكثر احتمالاً هو استمرار الحرب بالوكالة، بدلاً من اندلاع مواجهة مباشرة بين جيوش دول المنطقة.
ويشير هذا السيناريو إلى أن الخطر لا يكمن بالضرورة في دخول دولة مجاورة الحرب بشكل معلن، وإنما في زيادة الدعم العسكري واللوجستي لأطراف النزاع، وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى توسيع رقعة المواجهة.
وبحسب هذا التصور، فإن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود قد يخلق شبكة من الصراعات المتداخلة، بحيث يصبح احتواء الحرب السودانية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
اختبار جديد للمجتمع الدولي
ومع اتساع دائرة التداعيات، يتجاوز التحدي المجتمع السوداني إلى دول المنطقة والقوى الدولية المعنية بأمن أفريقيا والبحر الأحمر.
ويضع ذلك المجتمع الدولي أمام اختبار مزدوج: وقف الحرب داخل السودان، ومنع تحول أراضيه إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي ظل غياب تسوية سياسية واضحة واستمرار الدعم الخارجي للأطراف المتقاتلة، تبدو المخاوف من تدويل الحرب أكثر ارتباطاً بالوقائع الميدانية منها بالتوقعات النظرية.
ويبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت القوى الإقليمية والدولية ستنجح في احتواء الصراع داخل الحدود السودانية، أم أن استمرار الحرب سيقود إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الأمنية في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر لسنوات مقبلة.
