حتى «وثيقة الموت» في السودان ضنّت بها الحرب

عائلات تخوض متاهات لا نهائية لاستخراج شهادات وفاة لذويها الراحلين في غياب السجلات والصور ومعلومات الدفن

الخرطوم / الغد السوداني – اشراقة علي عبدالله – تخوض آلاف الأسر السودانية معركة مرهقة ورحلات بحث مضنية لإثبات وفاة ذويها رسمياً، بعدما عطلت الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل (نيسان) 2023، مؤسسات مدنية وصحية، وأضعفت السجلات الرسمية وأفقدت الأسر الشهود والمعلومات اللازمة، لتصبح شهادة الوفاة حلقة مفقودة في كثير من الحالات، خصوصاً بعد دفن جثامين من دون توثيق لهويات أصحابها أو أماكن دفنهم.

 

وحولت الحرب أحياء في الخرطوم والجزيرة ومدن دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إلى جانب مناطق القتال والنزوح، إلى أماكن لدفن الموتى بصورة طارئة، في كثير من الأحيان من دون تسجيل الأسماء أو التقاط صور للجثامين أو تحديد مواقع القبور. وأدى ذلك إلى بقاء مصير أشخاص انقطعت أخبارهم مجهولاً، فلا تعرف أسرهم ما إذا كانوا أحياء أم أمواتاً.

 

وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 61 ألف شخص قتلوا في ولاية الخرطوم خلال أول 14 شهراً من الحرب، بينهم نحو 26 ألفاً قضوا جراء جروح خطرة أصيبوا بها بسبب العنف المرتبط بالعمليات العسكرية، وفقاً للأمم المتحدة. كما أكد باحثون أن تقديرات الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب في ولاية الخرطوم تجاوزت المتوسط المسجل على مستوى البلاد قبل اندلاع الحرب بنحو 50 في المئة.

 

سلسلة عقبات

تقول مريم عبدالرحيم، المقيمة في مدينة الخرطوم بحري، إن الحرب أفقدتها شقيقها الأكبر، الذي رفض النزوح مع الأسرة أثناء القتال.

 

وتروي: «تلقينا خبر وفاته عبر الهاتف، وحين عدنا إلى منزلنا بدأنا رحلة بحث مضنية عن قبره أو أي جهة ترشدنا إلى كيفية وفاته ومكان دفنه، لكن من دون جدوى. لم نترك مكاناً إلا طرقناه، وبذلك أصبح في عداد المفقودين، مما يصعّب استخراج شهادة وفاة له لعدم امتلاكنا معلومات تؤكد وفاته».

 

وتضيف أن إثبات الوفاة في سجلات الدولة يتعثر في كثير من الأحيان بسبب مطالبة الجهات المختصة بشهود أو تحديد مكان الدفن، وهي إجراءات مهمة في نظر النيابة العامة، بينما فقدت غالبية الأسر التواصل مع الأشخاص الذين نقلوا إليها أخبار وفاة ذويها.

 

وتقول عبدالرحيم إن حالة شقيقها «ليست معزولة»، بل تتكرر على نطاق واسع بسبب اتساع رقعة الصراع، مشيرة إلى أن هناك حالات يصعب على أسرها إثبات الوفاة لأن الجثامين دُفنت في الميادين والمدارس أو مناطق القتال، أو خلال عمليات النزوح، من دون أسماء أو توثيق.

 

وتضيف أن آلاف الأسر لا تزال تنتظر معرفة مصير أقاربها، في ظل تعطل مؤسسات الدولة والمستشفيات والمشارح وصعوبة الوصول إلى المقابر، لتتحول شهادة الوفاة إلى حلقة مفقودة لإثبات الموت، وما يترتب على ذلك من ضياع حقوق قانونية ومالية.

 

فجوة توثيق

 

من جهته، يوضح عبدالكريم محمد، أحد سكان ضاحية الكلاكلة جنوب الخرطوم، أن معظم سكان مناطق جنوب العاصمة ظلوا عالقين خلال أشهر طويلة من الحرب، نتيجة عدم امتلاكهم الإمكانات المالية اللازمة للنزوح، الأمر الذي جعلهم عرضة للموت بسبب المرض أو شظايا القذائف أو الجوع.

 

ويقول إن عمليات دفن الموتى كانت تتم بصورة عشوائية، في ظل غياب الجهات الرسمية التي تتولى التعامل مع الجثامين.

 

ويضيف أن السكان وجدوا أنفسهم أمام جثث داخل المنازل وعلى الطرقات العامة، وقد بدأت آثار التحلل تظهر عليها، ما جعل التعرف إلى أصحابها أكثر صعوبة، فضلاً عن الروائح المنبعثة منها وما تمثله من مخاطر صحية مع انتشار الأمراض والأوبئة.

 

ويقول محمد إن ذلك دفع السكان إلى دفن الجثامين على عجل، من دون انتظار الجهات المختصة التي كان يصعب وصولها بسبب الحرب.

 

ويضيف: «بدأ الدفن قرب المنازل بسبب ارتفاع أعداد الوفيات مع اشتداد المعارك وصعوبة الوصول إلى المدافن المعتمدة. كان الدفن يتم في كل المساحات المتاحة، ومن بين الضحايا جنود ومواطنون مجهولو الهوية».

 

ومع تزايد المخاوف الصحية الناجمة عن بقاء الجثامين، شكلت لجان أحياء مبادرات محلية لدفن الموتى. ويقول محمد إن الأولوية في تلك الظروف كانت مواراة الجثامين، بينما لم يكن التعرف إلى هويات أصحابها أو توثيق بياناتهم أمراً متاحاً دائماً.

 

ويشرح: «كنا نضع الجثامين في جوالات ونحفر في المكان نفسه ثم يتم الدفن. ظل هذا الواقع يتكرر في المناطق التي شهدت نزاعاً نشطاً. كان الهدف الأول مواراة الجثامين وإكرام مثواهم، ومن المؤسف أن تسجيل الأسماء أو التصوير أو تحديد مكان الدفن غاب في كثير من الحالات».

 

محاولات للتوثيق

 

في مدينة أم درمان، كان الوضع مختلفاً نسبياً نتيجة الهدوء الذي شهدته بعض مناطقها، إذ عمل متطوعون وناشطون على توثيق هويات الجثامين التي وصلت إلى مستشفى «النو» فور دخولها إلى المشرحة.

 

ويقول المتطوع أمين يحيى إن مجموعة من العاملين في المجال الإنساني نشطت في رصد الجثامين التي وصلت إلى قسم مجهولي الهوية في المستشفى، وتسجيل المعلومات المتعلقة بها، بما في ذلك مكان العثور عليها، وظروف الوفاة، ومكان الدفن، إلى جانب المتعلقات الشخصية.

 

ويضيف أن المتطوعين بذلوا جهداً كبيراً تحسباً للحظة التي يأتي فيها شخص للبحث عن أحد أقاربه المفقودين واستخراج شهادة وفاة له.

 

ومع استقرار عمل المشارح في المستشفيات التي عادت إلى الخدمة، وإصدار أذونات الدفن، أضيفت هذه المستندات إلى السجلات التي أعدتها المبادرات التطوعية، في ظل محدودية أداء الجهات الأمنية والصحية.

 

ويقول يحيى إن هذا العمل أصبح معروفاً لدى النيابة العامة، وإن توفر بيانات المتوفى يسهل استكمال إجراءات الدفن واستخراج شهادة الوفاة.

 

لكن هذا النظام ظل، بحسب يحيى، محصوراً في أم درمان، بينما تواجه الأسر في بقية مدن العاصمة والولايات التي شهدت معارك عنيفة مسارات أكثر تعقيداً، بسبب دفن الموتى من دون توثيق أو سجلات يمكن الرجوع إليها.

 

ضياع الحقوق

 

ولا تتوقف أزمة غياب شهادات الوفاة عند الجانب الإنساني، إذ تمتد آثارها إلى الحقوق القانونية والمالية للأسر.

 

ويشير المحامي السوداني حيدر رحمة الله إلى أن عدم توفر بيانات واضحة عن المتوفى يضع الأسر أمام عقبات في حفظ حقوقها، بما في ذلك المعاشات والممتلكات والعقارات المسجلة باسم المتوفى، فضلاً عن الإجراءات المتعلقة بالأطفال.

 

ويقول إن غياب شهادة الوفاة «لا يقف عند ورقة رسمية، بل قد يعني ضياع حقوق الأسرة بشكل كامل».

 

ويوضح رحمة الله أنه إذا حدثت الوفاة في منطقة معروفة، يمكن للأسرة الاستناد إلى شهادات الشهود أو أعضاء المبادرات ولجان الأحياء التي رصدت الوفيات أو شاركت في عمليات الدفن، لتقديمهم أمام القضاء وإثبات الوفاة.

 

لكنه يشير إلى أن تعقيدات الوضع الحالي قد تجعل هذه الشهادات غير كافية أمام المؤسسات الرسمية والبنوك.

 

وتزداد المعضلة تعقيداً في الحالات التي لا يُعثر فيها على جثمان أصلاً، إذ تختلف الإجراءات القانونية بحسب ما إذا كان المفقود مدنياً أو من أفراد القوات النظامية.

 

وفي هذه الحالات، تظل الإجراءات معلقة إلى حين ظهور دليل يثبت الوفاة أو يحدد مكان الدفن، فيما لا تستطيع الأسرة في بعض الأحيان التصرف في ممتلكات المفقود أو تسوية حقوقه، حتى إذا كان المعيل الوحيد للأسرة.

 

وهكذا، لم تكتفِ الحرب السودانية بانتزاع أرواح الآلاف، بل تركت عائلات كثيرة عالقة بين اليقين الشخصي بالموت والعجز الرسمي عن إثباته؛ لتصبح «شهادة الوفاة» نفسها وثيقة يصعب الوصول إليها، في بلد تآكلت فيه السجلات وتبعثرت الشواهد تحت وطأة الحرب.

المصادر: اندبنت عربية