التأمَ الشملُ.. فأغلِقوا نوافذَ التأويل وأبوابَ الغيبة

محمد كندشة يكتب .
المعتادُ فطرةً أن الأبَ العطوفَ الحنونَ إذا فقدَ فلذةَ كبده، طافَ على طوبِ الأرضِ وسألَ عنها كلَّ حجرٍ وبشرٍ وشجر. وفي عاميتنا السودانية: “سيد الرايحة بفتّش خشم البقرة”.

لم يدرْ في خلدِ والدِ همسة أن استغاثته بكل الجهات، ومنها جمهورُ الميديا المولعُ بهتكِ الأستار، ستنقلبُ عليه وبالاً. كانت رسالته – بوضوحٍ لا لبس فيه – موجهةً إلى الأجهزة الأمنية بالمملكة العربية السعودية وإلى أصحاب السمو الملكي، استعطافاً لشهامتهم واسترحاماً لمروءتهم.

لكنّ فئاماً من قومنا، ممن أدمنوا حشرَ أنوفهم فيما لا يعنيهم، أبوا إلا أن يلاحقوا أباً مكلوماً ذاقَ لوعةَ الفقدِ شهراً كاملاً، مطالبين إياه بأن “يوضّح الحقائق” كما زعموا.

وثمةَ صنفٌ من الناس، عاطلون عن مصالحهم، فارغون من ذواتهم، لا يحسنون شيئاً سوى تتبعِ العوراتِ وتقصي عثراتِ البيوت، يقتاتون على آلامِ الآخرين، ويحوّلون أوجاعَ الناسِ إلى مادةٍ للفرجةِ ومطيةٍ للترند.

والقضيةُ في جوهرها لم تكن إلا مناشدةً إنسانيةً خالصةً من أبٍ سودانيٍ شريدٍ، ألجأته الحربُ إلى جوارِ بيت الله، يطلبُ العونَ في البحثِ عن صغيرته، تعويلاً على ما عُهد في المملكة من نخوةٍ وشهامة.

فما بالُ الحاشرين أنوفهم في خدورِ الناس، يطالبونه بأن يكشفَ لهم كيف وجدها، ولماذا، وعلى أي حالٍ وجدها؟ وهبْ أنه وجدها على غيرِ ما يُسرّ، أيُلزَمُ بأن ينشرَ سرَّ بيته على الملأ؟ تلك أسرارٌ تمسُّ مستقبلَ طفلةٍ لم تبلغِ الحلمَ بعد، وقد تمسُّ أمنَ الأسرةِ وإقامتها في بلدٍ آواها وهي هاربةٌ من أتونِ الحرب.

وحتى على فرضِ أن وراءَ الأمرِ خفايا، فما ضيرُ الناسِ إن حجبها الأبُ عنهم؟ فهي شأنه وحده. ومن كان حريصاً على الحقيقة، فدونه شرطةُ مكةَ المكرمة، فليذهبْ إليها وليبرزْ صفته وصلته، لا أن يستعرضَ عضلاته على أبٍ منكوبٍ في فضاءِ التواصل.

لقد وجدَ الأبُ ابنتَه، والتأمَ شملُ الأسرةِ الكريمة، ولهم كاملُ الحقِ في صونِ خصوصيتهم بعيداً عن ضجيجِ المتاجرين بآلامِ الناسِ والباحثين عن شهرةٍ وفرجة على حسابِ سمعةِ طفلة.

تضامني المطلقُ مع هذا الأبِ العطوفِ الكبيرِ القلب، ومع أسرةِ همسة، ورجائي أن نطوي هذه الصفحةَ فضلاً لا أمراً، وأن نمضي إلى ما ينفعُ البلادَ والعباد.