من رقية صلاح إلى محمد المجذوب.. تسع سنوات، والمعلّم هو الضحية
الأستاذ/ سامي الباقر
يكتب..
كلمة و«غطايتا»..
في فبراير ٢٠١٧م، فُجعت الأسرة التعليمية بوفاة المعلمة رقية صلاح، معلمة مدرسة الثورة الحارة ١٣ للبنات بأم درمان، إثر سقوطها في مرحاض متهالك داخل المدرسة، ويومها حملت لجنة المعلمين السودانيين وزارة التربية والتعليم والدولة المسؤولية عن الفاجعة، باعتبارها نتيجة لإهمال البيئة التعليمية وغياب شروط السلامة.
وبعد تسع سنوات، ننعى الأستاذ محمد المجذوب الحاج حمد، الذي أفنى عمره في التعليم، ثم دفعته قسوة الظروف المعيشية وضعف الأجور، إلى البحث عن لقمة العيش في مناطق التعدين، حيث وافته المنية.
تغيرت صورة الفاجعة، لكن المسببات واحدة.
رقية صلاح ماتت في مدرسة تحولت مرافقها المتهالكة إلى مصيدة للموت، ومحمد المجذوب مات وهو يبحث عن رزقه خارج مهنة لم يعد دخلها يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
فذات المسببات، ذات المبررات، وذات الفواجع.
وفي الحالتين لا ينتهي الثمن عند المعلم؛ فهناك أسرة تفقد أماً أو أباً أو زوجاً أو عائلاً، وأبناء يدفعون ثمن الإهمال وضعف الأجور من مستقبلهم وحياتهم.
لكن السنوات التسع بين الفاجعتين تطرح سؤالاً أكبر.
خلال هذه السنوات تغيّرت الحكومات والسلطات، وتبدلت الشعارات، وتعاقبت المراحل السياسية، لكن السياسة تجاه التعليم الحكومي ظلت، في جوهرها، ثابتة: تعليم يُعامل باعتباره عبئاً ينبغي تقليصه والتخلص من كلفته، بدلاً من اعتباره حقاً عاماً واستثماراً في مستقبل البلاد.
وقد كانت الفترة الانتقالية الموءودة استثناءً حاول، ولو في زمن قصير، أن يضع التعليم والمعلم في موضع مختلف، وأن يتعامل مع التعليم الحكومي باعتباره مسؤولية دولة وحقاً للمواطن، قبل أن تُجهض تلك التجربة.
لذلك فالعبرة ليست في تغيير الحكومات والسلطات وحدها، وإنما في تغيير السياسات وترتيب الأولويات.
فما جدوى أن تتغير الوجوه، بينما تبقى المدرسة متهالكة، ويبقى المعلم فقيراً، وتبقى أسرته مهددة بفقدان مصدر رزقها، ويظل التعليم الحكومي في ذيل الأولويات؟
بين رقية صلاح ومحمد المجذوب تسع سنوات، لكن المسافة بين الفاجعتين تكشف شيئاً واحداً:
أن المعلم ظل يدفع الثمن، والأسرة ظلت تدفع الثمن، والتعليم الحكومي ظل يدفع الثمن.
إن استذكار رقية صلاح اليوم ونحن نودع محمد المجذوب ليس مجرد رثاء؛ إنه تذكير بأن حماية المعلم تبدأ بتغيير النظرة إلى التعليم نفسه، وإعادة بناء سياسة عامة تجعل التعليم حقاً وأولوية، والمعلم مهنةً مصونة بالكرامة والأجر والبيئة الآمنة.
الرحمة لرقية صلاح، والرحمة لمحمد المجذوب الحاج حمد، ولجميع المعلمين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لمهنة كان ينبغي أن تكون طريقاً للحياة، لا سبباً لفقدانها.
فالعبرة ليست بتغيير السلطات، وإنما بتغيير السياسات.
