قراءة نفسية في الحرب السودانية(7)

آدم زكريا بكر يكتب
• عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن

في المقال(6) تحدثنا عن الانقلاب الأخلاقي وهو تطور نفسي عندما يبرر الانسان قتل مدينين يعتبرهم يدعمون الخصم. فهذا الشخص ليس بالضرورة تخلى عن الأخلاق، بل أصبحت الأخلاق لديه مرتبطة بالجماعة، ومن ثم يمكن لأشخاص سلميين وعاديين ومتعلمين أن يشاركوا نفسياً في ممارسات تتسم بقسوة استثنائية سواء كانوا داعمين للقوات المسلحة أو للدعم السريع.
ومواصلة لذلك السرد نتسائل لماذا قد يتحول أشخاص مسالمون إلى مؤيدين لقوة مسلحة أو تنظيم مسلح؟ والإجابة هي لا يتحول المدني المسالم بالضرورة إلى مؤيد لقوة مسلحة( سواء كانت القوات المسلحة أو الدعم السريع) لأنه أصبح عنيفاً فجأة؛ بل ربما يمر بتسلسل تدريجي من “أنا أكره العنف” إلى “يتعرض أبناء قبيلتي ومنطقتي للهجوم”؛ ثم إلى “لا بد من وجود من يحمينا، وقوات الدعم السريع تقاتل من يهاجموننا وهي تحمينا”. ففي أي مرحلة من هذه المراحل، لا يفكر الشخص بالضرورة قائلاً: “أنا الآن أؤيد العنف”، بل يفكر: “أنا أؤيد الحماية”؛ وهذا التمييز النفسي بالغ الأهمية. ولكن بعد ذلك، يمكن لهذه الآلية نفسها أن تعزز نفسها بنفسها، وبمجرد أن يرتبط الشخص عاطفياً بقوات الدعم السريع، تصبح الأدلة التي تدينها مصدراً للتهديد له وكيانه الاجتماعي . لنفترض ظهور أدلة موثوقة تفيد بأن بعض مقاتلي قوات الدعم السريع ارتكبوا فظائع، يصبح أمام الشخص خياران:
الخيار (أ): “لقد ارتكبت القوات التي أؤيدها فظائع. كنت مخطئاً”.
الخيار (ب): “كانت الظروف مختلفة”. فمن الناحية النفسية، يُعد الخيار (ب) أسهل ولذا، يبدأ الشخص في البحث عن فظائع ارتكبها الجيش السوداني وهي كثيرة وموثقة أيضاً، أو تدخلات أجنبية، أو مظالم تاريخية، أو أدلة على التمييز والتهميش الممنهج لمنطقته أو إقليمه ، أو قصص عن تصرفات بطولية لمقاتلي قوات الدعم السريع. فقد تكون كل هذه الأمور حقيقية، لكنها يمكن أن تتحول إلى “ذخيرة نفسية” للدفاع عن قوات الدعم السريع .
بلا شك يحدث الأمر نفسه بين المؤيدين المتطرفين للقوات المسلحة. فمن الناحية النفسية، ربما يكون كلاهما قد تجاوز الحاجز نفسه وهو الانتقال من الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، واعتبار الطرف الآخر عدواً جماعياً، والمطالبة بعقاب جماعي. عند تلك النقطة، يصبح التعليم ومستوى الذكاء والسمات الشخصية المسالمة عوامل أقل قدرة على التنبؤ بالسلوك مقارنةً بالهوية الجماعية والشعور بتهديد وجودي.
وهناك عنصر آخر ينبغي إضافته وهو “سيكلوجية الإذلال”. إن النظريات الخمس التي ذكرتها في المقالات السابقة قوية ومهمة، لكن هذا العنصر يختلف عن المعاناة العادية؛ فهو يتلخص في شعور مفاده “لقد عاملونا وكأننا بلا قيمة وكأننا لسنا بشر”. يولّد الإذلال رغبة عارمة في استعادة المكانة والاعتبار. وهذا المسار قد يؤدي إلى تسلسل يبدأ بـ: الإذلال ← الغضب ← الانتقام ← التضامن الجماعي ← الاستعداد للتضحية ← تمجيد المقاومة.
وتتجلى قوة هذا الأثر بشكل خاص في المجتمعات التي عانت لعقود من التهميش أو التمييز أو العنف. عندها، تتحول الحرب إلى فرصة لتبني موقف مفاده “لن نكون عاجزين أو بلا حول ولا قوة مرة أخرى”. وهذا الالتزام النفسي يمكن أن يصمد حتى في وجه خسائر مادية هائلة. وهذا الغبن يفسر لنا كيف يصبح قتل القبيلة الأخرى أو من يُصنف بأنه ينتمي إلى العدو أمراً وارداً ومقبولاً. فعندما تتضافر عوامل الهوية والصدمة والخوف والإذلال، يتوقف الفرد عن النظر إلى الخصم كإنسان مستقل بذاته.
وأما القوات المسلحة والتنظيمات العسكرية الموالية لها فتتحول التصنيفات النفسية لديها من “قوات الدعم السريع عدو ومتمرد” إلى”مؤيدي وداعمي قوات الدعم السريع عدو؛ وحواضنها عدو”. تُعرف هذه العملية ب”تجريد الخصم من فرديته” و”نمذجة الجماعة الأخرى ككتلة متجانسة”؛ فبدلاً من “انضم حميدان إلى قوات الدعم السريع”، يعالج العقل المعلومة بوصفها “حميدان وقبيلته متعاونين وعدو للوطن”. وبمجرد تصنيف ملايين البشر كعدو واحد متجانس، ينهار التعاطف الإنساني.
وهناك حالة نفسية أخرى تسمى التناظر المأساوي، حيث تمنحنا هذه الحالة نموذجاً أكثر شمولاً للوضع في الحرب الدائرة الان في بلادنا.فإذا قارنا سيكولوجية الموالين للقوات المسلحة مع سيكولوجية الموالين لقوات الدعم السريع نجدها سردية متقاربة، حيث نجد سردية الجيش هي “قوات الدعم السريع تهدد السودان، والجيش يحمي الدولة. يجب سحق قوات الدعم السريع ومن يدعمها. الانتصار يعني البقاء “؛ بينما سردية داعمي الدعم السريع هي “القوات المسلحة تهدد مجتمعاتنا. قوات الدعم السريع تحمي شعبنا. التفاوض يمنح الشرعية لمن يهاجموننا. يجب ألا تذهب دماء موتانا سدى. الجيش يمثل تهديداً وجودياً لنا. مؤسساتهم تدعم قمعنا. الانتصار يعني البقاء”.
ولهذا السبب، فإن تسوية الحروب الأهلية أصعب بكثير من تسوية الحروب التقليدية؛ إذ يستطيع كل طرف بناء عالم نفسي متماسك داخلياً، يرى فيه أن عنفه هو مجرد دفاع عن النفس، بينما يُعد عنف الطرف الآخر دليلاً قاطعاً على ضرورة مواصلة القتال.
واختتم هذا المقال بقول زهير بن أبي سلمى وهو يذم الحرب بقوله:
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ
فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ كَأَحْمَـر عَادٍ ثُمَّ تُرْضع فتَفطِم

** لا للحرب، نعم للسلام.
ونواصل…………