
ابن مهاجر سوداني يدخل «إيتون».. قصة يوسف أحمد من مدرسة حكومية في برمنغهام إلى قلب النخبة البريطانية
الخرطوم/ الغد السوداني – في طريق يبدو بعيداً عن السودان، بدأ الطالب يوسف أحمد، المقيم في مدينة برمنغهام البريطانية، كتابة فصل استثنائي في مسيرته التعليمية، بعدما حصل على مقعد ممول بالكامل في كلية إيتون، إحدى أشهر مدارس النخبة في المملكة المتحدة.
وبحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية نقلاً عن يوسف وإدارة مدرسته الحكومية، يُعتقد أن أحمد، البالغ من العمر 16 عاماً، هو أول طالب من أصل سوداني يلتحق بالمدرسة العريقة.
لم يكن الطريق إلى إيتون امتيازاً عائلياً أو نتيجة لمسار تعليمي خاص، بل جاء عبر جائزة جورج أورويل، التي تخصصها المدرسة لمنح مقاعد مجانية لطلاب المدارس الحكومية الذين لم تكن ظروفهم المادية تسمح لهم بالالتحاق بها.
وتمنح إيتون ما يصل إلى 14 منحة سنوياً ضمن البرنامج، الذي تقول إنه يستهدف توفير تجربة تعليمية قادرة على تغيير حياة الطلاب وفتح أبواب جديدة أمامهم.
من مدرسة حكومية إلى مدرسة النخبة
في مدرسته الثانوية الحكومية «ليفت فور دويلينغز»، كان يوسف يلفت الأنظار بتفوقه الأكاديمي وانخراطه في الحياة المدرسية. وجاء قبوله في إيتون مشروطاً بتحقيق نتائج محددة في اختبارات الشهادة العامة للتعليم الثانوي.
النتيجة كانت لافتة: حصل على الدرجة 9 في الرياضيات والأحياء والكيمياء والفيزياء، ليحجز مقعده في المدرسة التي تأسست في القرن الخامس عشر بالقرب من قلعة وندسور.
ومن المقرر أن يبدأ يوسف في سبتمبر المقبل دراسة الرياضيات والجغرافيا والفيزياء والاقتصاد.
لكن بالنسبة إليه، لا تبدو المسألة مجرد انتقال من مدرسة إلى أخرى.
يقول يوسف إن حصوله على المنحة «شرف كبير» له ولعائلته ولبلده، معرباً عن أمله في أن تكون تجربته رسالة إلى آخرين بأن «أي شيء ممكن»، وأن التعليم يمكن أن يغير حياة الإنسان.
اسم أورويل في الطريق إلى إيتون
تحمل المنحة التي حصل عليها يوسف اسم الكاتب البريطاني الشهير جورج أورويل، الذي درس بدوره في إيتون بمنحة دراسية.
وهنا تلتقي قصتان يفصل بينهما أكثر من قرن: كاتب أصبح أحد أبرز الأصوات الأدبية والسياسية في بريطانيا، وطالب من أصول سودانية يعبر اليوم بوابة المدرسة نفسها، حاملاً طموحاً أكاديمياً لم يبدأ من مدارس النخبة.
والد يوسف وصل إلى بريطانيا قادماً من السودان عام 2002. وبعد أكثر من عقدين، يأتي دخول ابنه إلى إيتون كصورة مختلفة من صور حضور السودانيين في المجتمع البريطاني؛ حضور لا يختصر في الهجرة والعمل، بل يمتد إلى التعليم والجامعات والمؤسسات ومساحات النخبة التي طالما بدت بعيدة عن كثير من أبناء المهاجرين.
نجاح فردي.. ورسالة إلى الجالية السودانية
تصف مديرة مدرسة يوسف طالبها بأنه «استثنائي»، مشيرة إلى ذكائه ونهمه للمعرفة وطموحه وانخراطه الكامل في الحياة المدرسية.
لكن قصة يوسف تتجاوز، في دلالتها، حدود الإنجاز الشخصي. ففي مجتمع سوداني واسع في بريطانيا، تصبح مثل هذه التجارب جزءاً من سردية أكبر عن أبناء الجالية الذين يحاولون بناء مستقبلهم بعيداً عن بلد أنهكته الحرب والأزمات.
من برمنغهام، حيث عاش يوسف تجربته التعليمية، إلى إيتون، حيث سيلتقي أبناء عائلات من أكثر البيئات البريطانية نفوذاً، لا تبدو المنحة مجرد مقعد دراسي مجاني. إنها فرصة لاختبار سؤال أكبر: إلى أي مدى يستطيع التعليم أن يكسر الحواجز الاجتماعية، ويفتح الطريق أمام أبناء المهاجرين إلى الأماكن التي لم تكن متاحة لآبائهم؟
يوسف لا يملك بعد إجابة كاملة عن هذا السؤال. لكنه، بخطوة واحدة إلى بوابة إيتون، بدأ يقدم واحدة من أكثر الإجابات وضوحاً: الطريق قد يكون صعباً، لكنه ليس مغلقاً.
