من مظاهر التأليه الخفي للسياسة؟!

الجميل الفاضل يكتب:
قال توم باراك، المبعوث الأمريكي والسفير لدى تركيا، متأملاً تعقيدات الشرق الأوسط: «لقد أرسل الله جميع الأنبياء إلى الشرق الأوسط.. وإذا كان الله لم يستطيع حلها، وإذا كان الأنبياء لم يستطيعوا حلها، فإن فكرة أن نتمكن نحن من حلها خلال العام ونصف العام المقبلين تبدو احتمالاتها ضئيلة!»، لعل الرجل، من حيث لا يدري، فتح باباً أوسع من تصريحه نفسه: مَن قال إن السماء تُدار بساعات الأرض؟، فالأنبياء لم يكونوا مبعوثين دبلوماسيين، ولم تكن رسالاتهم مشاريعَ تسويةٍ مرحلية، تنتهي بانتهاء مهلةٍ أو ولاية.
لم يأتوا ليحلوا مشاكل الشرق الأوسط، لكن ليوقظوا البشرية بأسرها، وليقيموا ميزان الحق والعدل والرحمة في وجه الطغيان أيًا كان.
فالشرق الأوسط لم يكن يوماً موضع عجز السماء، إنما موضع اختبار الإنسان؛ أرضاً كثيفة الأسئلة، تتجاذبها إرادة النور وغواية السلطان.
لكن المفارقة أن الخطأ لا يأتي من جهة واحدة، فهناك من يقول: إن السماء عجزت، فكيف ننجح نحن؟، وهناك من يقول، في المقابل: أنا أُعين الله، أنا أقاتل باسمه، وبينهما خطأ واحد: أن يتوهم الإنسان أنه يستطيع قياس إرادة الله بمقاييسه، أو أن يتحدث باسمها، ومن هنا بالضبط، يبدأ التأليه الخفي للسياسة.
عندما تتحول النبوءة إلى برنامج سياسي، والدين إلى راية حشد، والخصم إلى «عدو لله»، والدم إلى ثمنٍ مقبول في طريق «المشروع»، ليصبح إيقاف الحرب نفسها اعتراضاً على القدر، ويغدو القتل عبادةً مشوهة، وهذه، في جوهرها، إحدى قراءات المأساة السودانية.
فالحرب الحالية لم تولد يوم انطلقت رصاصتها الأولى؛ لقد سبقتها عقودٌ جرى فيها اختطاف السماء لتُلبس الأرض ثوباً مقدساً.
حين صارت السلطة «رسالة»، والحاكم «وصياً»، والخصم «مارقاً»، لم يعد الخلاف السياسي خلافاً بين بشر حول وطنٍ وبرامج وحكم؛ بل صار معركةً مع «أعداء الله».
وهكذا أُفرغ الدين، شيئاً فشيئاً، من عدله ورحمته وحرمة الدم فيه، حتى انتهى الأمر إلى أن يُرفع الشعار علي دبابة، ويعلو التكبير فوق أنقاض، وهنا تتساوى المفارقتان:
باراك يرى أن الأنبياء لم يستطيعوا حل المسألة، وأصحاب التأليه السياسي يرون أنهم قادرون على حسمها باسم الله.
وكلاهما أخطأ الطريق، فالله لا يحتاج إلى طائراتنا ليثبت قدرته، ولا إلى إراقة كل دمائنا ليثبت حقه، ولا إلى خراب أوطاننا ليثبت وعده.
إنما نحن المحتاجون إلى الهداية، والمحتاجون إلى أن نعرف حدودنا.
فالسماء لا تستعجل، والحق لا يهرم، والديان لا يموت، والتاريخ لا يقاس دائماً بساعات السياسة.
لذلك لن يبدأ خلاص الشرق الأوسط، ولا خلاص السودان، عندما ينتصر طرف على طرف؛ لكن حين نكف عن تحويل السماء إلى مشروع سياسي، والسياسة إلى دين، والدم المراق إلى طريقٍ إلى الله.
فكّوا الارتباط بين مقدّس السماء ودنس السياسة، وجرائم الحرب.
أعيدوا الدين إلى رحاب الروح، والسياسة إلى إدارة لشؤون الحياة، والوطن إلى أهله كلهم.
فلعل الأزمة ليست في أن السماء قد تأخرت عن حلّ مشاكلنا؛ بل لأننا ما زلنا نحاول أن نُنجز مشيئة السماء بمقاييس الأرض.