السودان بين نقطة اللاعودة ولحظة كسر الحرب
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة بين طرفين، بل تحولت إلى اختبار متصاعد لقدرة مشروع الحرب ودعاته على الصمود أمام ضغوط الداخل والخارج، في وقت تتسع فيه الكلفة الإنسانية والسياسية للصراع، وتتزايد الدعوات إلى إنهائه عبر تسوية عادلة وشاملة ومستدامة.
وفي هذا السياق، يكتسب مقترح واشنطن في مجلس الأمن، بالتزامن مع التوافق الذي ظهر في اجتماع للقوى السياسية السودانية في أديس أبابا، دلالة تتجاوز تفاصيل كل مسار على حدة. فالتقاطع بين الضغط الدبلوماسي الدولي ومحاولات توحيد المواقف السياسية السودانية يعزز الانطباع بأن مساحة المناورة أمام مشروع الحرب تضيق تدريجياً.
جاءت إحاطة وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، أمام مجلس الأمن، لتضع حجم المأساة السودانية في صدارة النقاش الدولي.
وقالت ديكارلو إن عواقب الصراع في السودان «ينبغي أن تثير صدمتنا جميعاً»، مشيرة إلى أن الشعب السوداني لم يعد قادراً على الانتظار أكثر من ذلك.
وبحسب الأرقام التي عرضتها المسؤولة الأممية، فرّ نحو 13 مليون شخص من منازلهم منذ اندلاع الحرب، بينهم قرابة 8.7 مليون نازح داخلياً، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
وتكشف هذه الأرقام أن الحرب لم تعد تقاس فقط بخطوط السيطرة العسكرية أو عدد المعارك، وإنما بعدد البيوت التي خلت من سكانها، والمدن التي فقدت أمنها، والأسر التي تحولت إلى رحلة نزوح مفتوحة بحثاً عن مكان أكثر أمناً.
الأكثر إثارة للقلق هو اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيرة في الحرب.
فقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مقتل نحو 1400 مدني خلال النصف الأول من عام 2026 في هجمات بالطيران المسير، في مؤشر على انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة بالنسبة للمدنيين، خصوصاً مع استمرار استهداف مناطق مأهولة وبعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية.
وتركزت الأعمال العدائية، وفق الإحاطة الأممية، في شمال كردفان وغرب دارفور وشمال دارفور والنيل الأزرق، وهي مناطق دفعت أصلاً ثمناً باهظاً نتيجة القتال والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
وهنا تبدو المفارقة واضحة: كلما طال أمد الحرب، تقلصت قدرة المجتمع السوداني على تحملها، بينما تتضاعف أدواتها التدميرية.
الحروب لا تنتهي دائماً عندما ينتصر طرف عسكرياً على خصمه؛ أحياناً تبدأ نهايتها عندما يصبح استمرارها أكثر كلفة من إيقافها.
وهذا ما يجعل التحركات الدبلوماسية والسياسية الأخيرة مهمة.
فالمقترح الأميركي داخل مجلس الأمن، وما رافقه من تحرك سياسي سوداني في أديس أبابا، يعكسان مسارين متوازيين: الأول يسعى إلى زيادة الضغط الدولي من أجل وقف الحرب، والثاني يبحث عن أرضية سياسية سودانية يمكن أن تفتح الباب أمام عملية سلام لا تقوم على منطق الغلبة العسكرية.
المشكلة أن الحرب أنتجت مصالح وشبكات وقوى تستفيد من استمرارها، وأصبح إنهاؤها أكثر تعقيداً من مجرد توقيع اتفاق بين المتحاربين. لكن ذلك لا يعني أن الحرب قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية.
فكلما ارتفعت كلفة الحرب الإنسانية والاقتصادية والسياسية، أصبحت شرعية استمرارها أكثر هشاشة.
وهنا أقول إن التوافق السياسي أهم من كثرة المبادرات، ففي السنوات الماضية، تعددت المبادرات الإقليمية والدولية بشأن السودان، لكن أحد أكبر عوائقها ظل غياب موقف سوداني موحد تجاه شكل التسوية ومستقبل الدولة.
لذلك فإن أي توافق بين القوى السياسية والمدنية السودانية حول وقف الحرب، ورفض توظيف الدولة في الصراع، والتمسك بوحدة السودان، يمكن أن يمثل عنصراً حاسماً في أي مسار تفاوضي مقبل.
السلام المستدام لا يمكن أن يكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من القتال. كما أن إنهاء الحرب لا يعني فقط إسكات البنادق، بل معالجة جذور الأزمة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان العدالة، وتهيئة شروط العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، وإطلاق عملية سياسية لا تعيد إنتاج أسباب الانفجار.
السودان لا يحتمل حرباً مفتوحة، فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تبدو الكلفة السودانية أكبر من قدرة أي طرف على تجاهلها.
ملايين النازحين، مئات القتلى المدنيين في الهجمات بالطائرات المسيرة خلال أشهر، وانهيار قطاعات واسعة من الخدمات، واتساع رقعة القتال، كلها مؤشرات على أن استمرار الحرب لا يقود السودان إلى حل، وإنما إلى مزيد من التفكك والاستنزاف.
ومن هنا، فإن الضغوط الداخلية والخارجية الرامية إلى وضع حد لما يمكن وصفه بـ«المقتلة الدموية» ليست مجرد ضغط سياسي عابر، بل تعبير عن حقيقة باتت أكثر وضوحاً: مشروع الحرب، مهما طال أمده، لن يستطيع إلغاء الحاجة إلى السلام.
قد تتغير موازين القوة، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتقدم جبهة وتتراجع أخرى، لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً هو: ماذا بعد الحرب؟
الإجابة لن تكون عسكرية.
فالسودان الذي خرج منه نحو 13 مليون شخص من منازلهم لا يحتاج إلى جولة جديدة من الانتصارات العسكرية بقدر حاجته إلى مشروع سياسي يعيد إليه الدولة والأمن والاقتصاد والكرامة.
ولذلك، فإن السلام العادل والشامل والمستدام ليس خياراً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الحرب؛ بل هو الطريق الوحيد القادر على إنهائها فعلياً.
وكلما اقتربت القوى السودانية من توافق سياسي حقيقي، وكلما ارتفع الضغط الدولي على أطراف الصراع، أصبحت عزلة مشروع الحرب أكثر وضوحاً، وأصبح الطريق إلى السلام أقل غموضاً.
