قراءة نفسية في الحرب السودانية (4).. كيف تتحول الحرب إلى «هوية أخلاقية»؟
بقلم/ آدم زكريا بكر
• عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن
سياتل، ولاية واشنطن
22/8/2026
في المقالات السابقة قلنا إن سردية الجيش والحركة الاسلامية رسخت في الأذهان سردية أن المؤسسة الأكثر قادرة على الحفاظ على وحدة السودان ومن ثم يمكن القول إنه حدث تحول نفسي بالنسبة للداعمين للقوات المسلحة بفعل تأثيرالاعلام وسردية الحركة الاسلامية، حيث كان في البداية “أنا أؤيد الجيش”، ثم بعد صراع طويل مرير تطور ما لبث أن تحول إلى “الجيش يحمي السودان” ثم إلى “معارضة الجيش تخدم العدو” ثم إلى ” إن الدعوة إلى المفاوضات تخدم العدو” ثم إلى “من يطالبون بوقف فوري لإطلاق النار لا يدركون حجم التهديد الوجودي”؛ وفي النهاية وصل التحول النفسي إلى “إن الموقف الوحيد المسؤول أخلاقياً هو تحقيق النصر العسكري”. هذه هي النقطة التي يتحول فيها التفضيل السياسي إلى هوية أخلاقية. فبمجرد أن يصبح الأمر هوية أخلاقية، يصبح تغيير الرأي صعباً للغاية؛ لأن الشخص لا يتغير بمجرد رأي عابر. بل يشعر بأنه قد يخون شعبه، أو موتاه، أو عائلته، أو حتى نزاهته الأخلاقية.
ولكن ثمة وجهة نظر مقابلة بالغة الأهمية، حيث يمكن للآليات النفسية ذاتها أن تعمل لدى طرف داعمي الدعم السريع وحكومة تأسيس. إذ يمكن لمؤيد قوات الدعم السريع أن يمر بذات التسلسل ابتداء بصدمة جماعية فتشكّل الهوية فالشعور بتهديد وجودي ثم تنافر معرفي ثم تبرير العنف. كما يمكن لمدني في كردفان ودارفور عانى من قصف الجيش السوداني والبراميل المتفجرة والقتل على الهوية أن يتبنى قناعة مفادها “يجب هزيمة الجيش”. إن البنية النفسية متشابهة بشكل لافت للنظر. ولهذا السبب تتسم الحروب الأهلية بصعوبة بالغة. إذ يرى كل طرف نفسه في موقف دفاعي، بينما يرى الطرف الآخر عدوانياً ومهدداً لوجوده. ويمكن للطرفين أن يؤمنا بصدق قائلين: “نحن نقاتل لأنه ليس لدينا خيار آخر”. وعندما يؤمن الطرفان بذلك، يصبح التوصل إلى تسوية بمثابة انتحار من الناحية النفسية.
ولذلك أعتقد أن أهم استنتاج يمكن التوصل إليه هو أن العقبة التي تحول دون السلام ليست بالضرورة عدم إدراك الناس للمعاناة التي تسببها الحرب؛ فالكثيرون يدركون ذلك تماماً. بل تكمن المشكلة الأعمق في أنهم قد توصلوا إلى قناعة بأن وقف الحرب دون هزيمة العدوالذي يُنظر إليه باعتباره تهديداً وجودياً سيؤدي إلى معاناة أكبر. ولذلك، فإن مخاطبة طرفي الصراع بانظروا إلى حجم المعاناة التي سببتها الحرب قد لا يكون له تأثير يُذكر؛ فهم يدركون ذلك بالفعل.
وفي تقديري السؤال الأكثر تأثيراً من الناحية النفسية يجب أن يكون ما هو البديل الموثوق الذي سيحميكم ويحمي عائلاتكم ومجتمعاتكم وكرامتكم في حال توقفت الحرب؟ وما لم يتمكن الناس من الإجابة عن هذا السؤال بثقة، فإن فكرة ضرورة انتصار أحد الحيش قد تظل مقنعة وجذابة نفسياً بالنسبة للداعمين له حتى بالنسبة للأشخاص الأذكياء والمتعلمين والمسالمين الذين يرغبون بشدة في إنهاء الحرب. وربما يكون هذا هو الفرق الأهم بين معارضة الحرب ومعارضة خسارتها.
في المقالات السابقة شرحتُ الجوانب النفسية التي أدت للتعاطف مع القوات المسلحة السودانية، وفي المقالات القادمة سأُطبّق الإطار نفسه على مؤيدي قوات الدعم السريع وحكومة تأسيس، لا سيما أولئك الذين عانت مجتمعاتهم من غارات جوية وقصف مدفعي وتهجير قسري أو انتهاكات أخرى وخاصة استخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية.
نواصل..
