السودان أمام مفترق خطير.. القوى المدنية تكشف ما وراء وقف الحرب: من يملك الدولة ومن يقرر المستقبل؟

سهام صالح

صحفية سودانية

لم يعد السؤال في السودان يقتصر على كيفية إنهاء الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بل يتسع إلى ما سيأتي بعدها: من يحكم؟ وكيف تُعاد بناء الدولة؟ وما مصير الجيش والقوات المسلحة والتشكيلات العسكرية الأخرى؟ وهل تستطيع القوى المدنية إنتاج مشروع سياسي يتجاوز خلافاتها ويستعيد ثقة الشارع؟

هذه الأسئلة كانت في قلب منتدى «صوت الأمة» الدوري الذي انعقد أمس في مركز عافر بمدينة نصر، تحت عنوان «المخرج الممكن من الأزمة السودانية»، بمشاركة قيادات سياسية ومدنية وعدد من المهتمين بالشأن السوداني.

ورغم اختلاف زوايا المتحدثين والحضور، كشف النقاش عن نقطة التقاء رئيسية: لا يبدو وقف إطلاق النار، في نظر المشاركين، كافياً وحده لإنهاء الأزمة، كما أن الرهان على الحسم العسكري لا يقدم بالضرورة طريقاً إلى دولة مستقرة.

لكن الخلاف يبدأ عند السؤال الأصعب: كيف يمكن الوصول إلى وقف الحرب، ومن يملك القدرة على دفع طرفيها إلى التفاوض، وكيف تتعامل القوى المدنية مع الدعوات السياسية التي تصدر من المؤسسة العسكرية؟

الدقير: وقف الحرب يجب أن يكون بداية لا نهاية

وضع عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، وقف الحرب في مقدمة أي تحرك سياسي، لكنه رفض أن يتحول إنهاء القتال إلى تسوية مؤقتة تعيد إنتاج الاختلالات التي قادت إلى الحرب.

وقال الدقير إن الخروج من الأزمة يحتاج إلى ثلاثة مسارات مترابطة: وقف الحرب، وهدنة إنسانية، وعملية سياسية، معتبراً أن التعامل مع هذه المسارات باعتبارها ملفات منفصلة قد يضعف فرص الوصول إلى تسوية مستدامة.

وفي رؤية الدقير، فإن العملية السياسية المقبلة يجب ألا تكون نسخة جديدة من ترتيبات تقاسم السلطة والمناصب، بل مشروعاً أوسع يضم النقابات والمجتمع الأهلي والتقليدي والنساء والشباب، ويقود إلى تحول مدني ديمقراطي ووحدة وطنية وجيش مهني وعدالة للجميع.

هنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حساسية في مرحلة ما بعد الحرب: هل يستطيع السودان الانتقال من تسويات النخب إلى عملية سياسية ذات قاعدة اجتماعية أوسع؟

الدقير يرى أن الإجابة تبدأ بالاعتراف بالإرادة الشعبية التي عبّرت عنها ثورة ديسمبر، مع فتح الباب أمام حوار وطني دستوري لا يستثني أحداً، شريطة أن تكون المشاركة السياسية مرتبطة بوقف الحرب والاعتراف بمبدأ الدولة المدنية.

السلاح والسلطة.. العقدة التي لم تُحل

من أكثر القضايا تعقيداً في النقاش السوداني العلاقة بين القوة العسكرية والشرعية السياسية. الدقير أقر بضرورة التعامل مع مخاوف الجيش والدعم السريع ورؤيتهما تجاه أي تسوية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن تتحول تلك المخاوف إلى وسيلة لفرض واقع سياسي مصدره السلاح.

وبحسب رؤيته، فإن الجيش والقوى المسلحة قد تكون جزءاً من ترتيبات إنهاء الحرب، لكن مستقبل الدولة والحكم ينبغي أن تحدده عملية سياسية مدنية.

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه الواثق البرير، الأمين العام لحزب الأمة القومي والأمين السياسي لتحالف صمود، الذي شدد على الفصل بين دور القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة في تنفيذ ترتيبات السلام وبين حقها في ممارسة السلطة السياسية.

وقال البرير إن المشاركة في تنفيذ اتفاق السلام لا ينبغي أن تتحول إلى استحقاق دائم في الحكم، وإن القوة العسكرية لا يمكن أن تكون مصدراً للشرعية السياسية.

وهذا التفريق يعكس جوهر معضلة السودان: كيف يمكن إدماج القوى المسلحة في عملية إنهاء الحرب من دون تحويلها إلى أطراف دائمة في معادلة الحكم؟

البرير: الأزمة أكبر من الحرب

ذهب البرير إلى أن الحرب الحالية ليست سوى التعبير الأكثر وضوحاً عن أزمة أعمق. ووصف الأزمة السودانية بأنها «أزمة دولة»، تراكمت جذورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية عبر عقود، معتبراً أن الاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاقية السلام الشامل واتفاق جوبا، أثبتت أن توقيع الاتفاقات لا يضمن وحده بناء سلام مستدام.

فالمشكلة، وفق هذه الرؤية، لا تتعلق فقط بمن يطلق النار، وإنما أيضاً بضعف مؤسسات الدولة، واختلال توزيع السلطة والثروة، وتعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، واقتصاد الحرب، وضعف القدرة على تنفيذ الاتفاقات.

ومن ثم، فإن أي تسوية لا تتعامل مع هذه الملفات قد توقف القتال لفترة، لكنها لا تضمن بالضرورة منع عودته.

لا حسم عسكرياً.. لكن من يوقف الحرب؟

يرى البرير أن تجربة الحرب منذ أبريل 2023 أثبتت عدم قدرة الحسم العسكري وحده على إنتاج حل مستدام. وقال إن تغير موازين القوى على الأرض، مهما كان اتجاهه، لن يعالج جذور الصراع ولن يضمن قيام دولة موحدة مستقرة.

واقترح بدلاً من ذلك مسارين متزامنين:

الأول أمني وعسكري، يبدأ بحماية المدنيين وخفض التصعيد وضمان وصول المساعدات ثم وقف إطلاق النار، مع ترتيبات أمنية وعسكرية قابلة للمراقبة والتحقق.

والثاني سياسي، يركز على بناء توافق وطني حول مستقبل الدولة وقواعد التسوية.

ويحمل هذا الطرح محاولة للخروج من معادلة «إما وقف الحرب أولاً أو السياسة أولاً»، عبر الدفع في المسارين في الوقت نفسه.

لكن تطبيق هذا التصور يواجه عقبة أساسية: غياب الثقة بين أطراف الحرب، وتضارب مصالح القوى الداخلية والإقليمية المرتبطة بالنزاع.

من يملك قرار العملية السياسية؟

طرح المنتدى سؤالاً آخر لا يقل صعوبة: إذا كان الحل سودانياً، فمن يحدد أطراف العملية السياسية؟

الدقير قال إن المجتمع الدولي والإقليمي يجب أن يضطلع بدور التيسير لا صناعة الحل، بينما دعا البرير إلى عملية «سودانية الملكية والقيادة»، عبر آلية تحضيرية وطنية محدودة ومتوازنة تتمتع بالاستقلال والمصداقية.

وتتضمن المهمة المقترحة لهذه الآلية تحديد معايير المشاركة والأجندة والمراحل وآليات اتخاذ القرار.

فكرة «الشمول» نفسها تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل.

العملية التي تستبعد قوى مؤثرة قد تفتقر إلى القدرة على تنفيذ مخرجاتها، بينما العملية التي تضم الجميع بلا معايير واضحة قد تتحول إلى ساحة لتعطيل القرار أو إعادة إنتاج النظام القديم.

ولهذا طرح البرير مفهوم «الشمول المسؤول»، بحيث تكون المشاركة مرتبطة بالاستقلالية والتمثيل الحقيقي والالتزام بإنهاء الحرب والحلول السلمية والدولة المدنية الديمقراطية.

المؤتمر الوطني.. اختبار مبكر للتسوية

ومن بين الملفات التي كشف المنتدى حساسيتها مسألة مشاركة المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير، في العملية السياسية المقبلة.

وقال الدقير إن اللجنة التحضيرية المرتقبة ستحدد أجندة الحوار وأطرافه، مع بحث مشاركة المؤتمر الوطني.

يكشف هذا الملف عن معضلة أكبر: أين تنتهي فكرة الشمول السياسي، وأين تبدأ حدود المساءلة عن النظام السابق؟

فبينما يخشى تيار مدني من إعادة إنتاج النظام القديم تحت غطاء التسوية، يرى آخرون أن استبعاد قوى سياسية واجتماعية مؤثرة قد يجعل أي اتفاق غير قابل للاستمرار.

وهذه المعضلة لن تُحسم بمجرد الدعوة إلى «حوار شامل»، وإنما تحتاج إلى معايير معلنة للمشاركة، تربط الحق في العمل السياسي بالموقف من الحرب وبالالتزام بالدولة المدنية والعملية الديمقراطية.

دعوة البرهان.. فرصة للحوار أم مناورة سياسية؟

كان موقف القوى المدنية من دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للحوار أحد أكثر الملفات حضوراً في أسئلة المشاركين.

الدقير قال إن القوى المدنية رفضت الدعوة لأنها، في تقديره، لا تعكس انفتاحاً كافياً على الحل السياسي السلمي، بينما اعتبر البرير أن الحوار المطروح من قيادة الجيش لا يعكس جدية لإنهاء الحرب، وإنما قد يتحول إلى أداة للالتفاف على القوى المدنية وإعادة إنتاج النظام القديم.

لكن مداخلات الحضور قدمت زاوية مختلفة.

نادرة المهدي دعت إلى وضع وقف الحرب فوق الحسابات السياسية، وطالبت القوى المدنية بالجلوس مع من يمسكون بالسلطة، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون إنهاء معاناة السودانيين ثم مناقشة قضايا الحكم والسلطة.

وقال رئيس الجلسة عادل سيد أحمد خليفة إنه يؤيد مبدأ الجلوس للحوار، مشيراً إلى أن الجلوس لا يعني بالضرورة قبول شروط الطرف الآخر. هذه النقطة تكشف فجوة داخل النقاش المدني نفسه: هل رفض الحوار يحمي الموقف السياسي أم يفوّت فرصة التأثير؟

الواقعية السياسية في مواجهة الموقف المبدئي

السؤال الذي طرحه عثمان فضل الله خلال المنتدى ذهب مباشرة إلى هذه المعضلة. فهل يمكن أن يتحول الموقف الأخلاقي للقوى المدنية، الرافض لشرعنة الحرب أو منح الشرعية لمن يحمل السلاح، إلى عامل يعزلها عن واقع تسيطر عليه القوة العسكرية؟

لم يقدم النقاش إجابة واحدة.

لكن المداخلات كشفت أن قطاعات داخل الوسط المدني ترى أن التواصل مع طرفي الحرب ليس تنازلاً سياسياً، بل أداة لإنهاء الحرب.

وقال الدقير إن الجلوس السابق مع طرفي الصراع، ومنه توقيع إعلان مبادئ أديس أبابا، كان هدفه إنهاء الحرب وليس الاصطفاف مع أي طرف.

وأكد البرير بدوره استمرار التواصل مع طرفي الصراع، إلى جانب التحرك الدبلوماسي مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية.

وهذا يعني أن الخلاف قد لا يكون حول مبدأ التواصل نفسه، وإنما حول شروطه وتوقيته والحدود التي لا ينبغي تجاوزها في أي تفاوض.

القوى المدنية أمام أزمة ثقة

لم يكن المنتدى منصة لعرض مواقف سياسية فقط، بل تحول أيضاً إلى مساحة لمساءلة القوى المدنية عن أدائها.

عبد الباقي جبارة تساءل عما فعلته القوى المدنية تجاه المحور الإقليمي، في ظل امتلاك دول المنطقة نفوذاً كبيراً على أطراف الصراع.

وطاهر المعتصم طرح سؤالاً آخر حول سبب عدم توحد القوى المناهضة للحرب، خصوصاً مع تكرار الاجتماعات في نيروبي وأديس أبابا.

أما شوقي عبد العظيم، فركز على السؤال العملي: كيف تستطيع القوى المدنية التأثير في الجيش والدعم السريع إذا كانت قنوات التواصل معهما محدودة أو متعثرة؟

وتكشف هذه الأسئلة عن مشكلة تتجاوز الانقسامات التنظيمية: القوى المدنية تواجه تحدي استعادة قدرتها على مخاطبة الشارع، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حضورها أمام القوى العسكرية والإقليمية والدولية.

هل تستطيع القوى المدنية قلب المعادلة؟

طرح عمر محمد آدم احتمالاً مختلفاً: استخدام الدعوة للحوار سياسياً حتى لو كانت، في نظر بعض القوى المدنية، مناورة.

وبحسب هذا الطرح، فإن قبول الحوار بشروط واضحة قد يسمح للقوى المدنية بإعادة صياغة المشهد بدلاً من ترك المبادرة السياسية للقوى المسلحة.

الفكرة هنا أن رفض الدعوة ليس الخيار الوحيد؛ إذ يمكن التعامل معها باعتبارها فرصة لاختبار جدية الطرف الآخر، ووضع شروط علنية، وإيصال الموقف إلى الشارع والمجتمع الدولي.

لكن هذا المسار يحمل مخاطر أيضاً، أبرزها احتمال استخدام المشاركة المدنية لمنح شرعية سياسية لمسار لا يغير جوهر الحرب.

ولهذا تبدو معادلة القوى المدنية أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين «الحوار» و«المقاطعة».

حزب الأمة في قلب اختبار جديد

أحد الأسئلة التي حملت بعداً تنظيمياً وسياسياً تمحور حول حزب الأمة القومي، وما يثار بشأن محاولات شقه وإعادة ترتيب موازين القوى داخله.

وطُرح على البرير سؤال بشأن التحركات السياسية المرتبطة بالحزب واحتمالات التأثير على وحدته.

البرير اعتبر محاولات شق الأحزاب امتداداً لسياسات قديمة، مؤكداً أن شرعية الأحزاب تستمد من قواعدها وجماهيرها وليس من سلطات الأمر الواقع.

ولا تبدو هذه القضية منفصلة عن المشهد الأوسع؛ فكلما اقترب السودان من أي تسوية سياسية، تصبح قدرة الأحزاب المدنية على الحفاظ على تماسكها الداخلي عاملاً مؤثراً في شكل المرحلة الانتقالية المقبلة.

اقتصاد الحرب.. المعركة التي تبدأ بعد توقف إطلاق النار

في جانب آخر، اتفق الدقير والبرير على ضرورة تفكيك اقتصاد الحرب وشبكات المصالح التي استفادت من استمرار الصراع.

وهذه القضية قد تكون من أصعب ملفات ما بعد الحرب، لأن الاقتصاد المرتبط بالنزاع لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، وإنما يتداخل مع شبكات تمويل وتجارات وموارد ومصالح نشأت أو توسعت خلال سنوات الصراع.

وقال الدقير إن تفكيك اقتصاد الحرب يجب أن يترافق مع العدالة الانتقالية، بينما دعا البرير إلى إصلاح مؤسسات الدولة والقطاع الأمني والعسكري وتفكيك شبكات المصالح المرتبطة باستمرار الحرب.

المعضلة أن الاقتصاد قد يكون أحد دوافع الحرب، وفي الوقت نفسه أحد أهم الملفات المطلوبة لإعادة إعمار السودان.

وبالتالي فإن إعادة بناء الدولة لن تكون مجرد مشروع هندسي لإصلاح البنية التحتية، بل عملية لإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية التي تشكلت خلال الحرب.

العدالة الانتقالية.. السلام بلا محاسبة؟

طرح المتحدثان العدالة الانتقالية باعتبارها ركناً أساسياً في أي تسوية. الدقير دعا إلى كشف الجناة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون وجبر الضرر، فيما شدد البرير على الحقيقة والإنصاف والمحاسبة وجبر الضرر والمصالحة الوطنية.

لكن العدالة في سياق حرب بهذا الحجم تضع أي حكومة انتقالية أمام اختبار بالغ الصعوبة: كيف تتم المحاسبة دون أن تتحول العدالة إلى وقود لجولة جديدة من الصراع؟

وفي المقابل، فإن تجاهل الانتهاكات قد يقوض الثقة في أي عملية سياسية، ويترك أسباباً عميقة للانتقام وإعادة إنتاج العنف.

لذلك تبدو العدالة الانتقالية في النقاش المطروح ليست ملفاً لاحقاً للسلام، وإنما جزءاً من شروط استدامته.

الجيش الواحد.. من شعار سياسي إلى معركة مؤسسات

أجمع الخطابان، بدرجات مختلفة، على ضرورة إعادة بناء المؤسسة العسكرية. البرير دعا إلى بناء جيش وطني مهني موحد وإنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، مع إخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للقيادة المدنية الدستورية.

أما الدقير فربط مشروع التأسيس الوطني ببناء جيش مهني واحد.

لكن هذا الملف يطرح سؤالاً عملياً: كيف يمكن دمج أو إعادة هيكلة القوى المسلحة التي دخلت الحرب وهي تحمل مصالح وقيادات ومراكز نفوذ مختلفة؟

الإجابة ستحدد بدرجة كبيرة ما إذا كان وقف الحرب مجرد هدنة طويلة أم بداية فعلية لبناء دولة قادرة على احتكار القوة وفق القانون.

الانتقال المدني.. جسر لا إقامة دائمة

اقترح البرير مرحلة انتقالية محددة المدة والمهام بقيادة مدنية دستورية، تركز على تنفيذ اتفاق السلام وإصلاح مؤسسات الدولة والقطاع الأمني والعسكري والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين.

وحذر من تحول المرحلة الانتقالية إلى نظام حكم دائم أو إلى محاصصة جديدة.

وهنا يلتقي الطرح مع درس أساسي من التجارب السودانية السابقة: المراحل الانتقالية التي تطول بلا هدف واضح قد تتحول من جسر إلى نظام سياسي قائم بذاته، فيما تؤدي المحاصصة إلى إضعاف المؤسسات وإعادة إنتاج الصراع.

لذلك يرى البرير أن الانتقال يجب أن يكون طريقاً من الحرب إلى الدولة، ومن الشرعية الانتقالية إلى الشرعية الديمقراطية.

الدستور والانتخابات.. من يقرر شكل السودان الجديد؟

في نهاية المسار، يضع الطرح المدني الانتخابات والدستور في مركز الشرعية. فالبرير يرى أن القضايا الدستورية الكبرى لا ينبغي أن تحسمها موازين القوى العسكرية أو اتفاقات النخب، وإنما عملية دستورية وطنية واسعة تستمد شرعيتها من الشعب السوداني.

وبذلك تصبح الانتخابات الحرة والنزيهة، وفق رؤيته، نهاية الطريق الانتقالي وليس مجرد محطة لتجديد شرعية النخب نفسها.

أما الأسئلة المتعلقة بالفدرالية والعلاقة بين المركز والهامش والدين والدولة وتوزيع الموارد، فهي تمثل في جوهرها اختباراً لقدرة السودان على معالجة الأسباب البنيوية التي غذت الحروب السابقة.

السؤال الذي ظل بلا إجابة

على امتداد المنتدى، تكرر السؤال بصيغ مختلفة: كيف تتوقف الحرب؟

لكن النقاش كشف أن الإجابة ليست عسكرية فقط ولا سياسية فقط. هناك حاجة إلى وقف إطلاق النار، لكن ذلك يتطلب ترتيبات أمنية وضمانات ومراقبة.

وهناك حاجة إلى عملية سياسية، لكنها تحتاج إلى أطراف متوافقة ومعايير مشاركة واضحة.

وهناك حاجة إلى توحيد القوى المدنية، لكن ذلك يصطدم بخلافات سياسية وتنظيمية عميقة.

وهناك حاجة إلى دور إقليمي ودولي، لكن المشاركين يريدون لهذا الدور أن يكون مسانداً لا بديلاً عن القرار السوداني.

وهناك حاجة إلى العدالة، لكنها تحتاج إلى صيغة تمنع تحولها إلى وقود لصراع جديد.

وهناك حاجة إلى إعادة بناء الجيش والدولة، لكن ذلك يتطلب تفكيك مراكز قوة نشأت خلال سنوات طويلة.

وقف الحرب بوابة لمعركة أكبر

كشف منتدى «صوت الأمة» أن الخلاف داخل الساحة المدنية السودانية لا يدور فقط حول تفاصيل التسوية، وإنما حول طبيعة الطريق الذي يجب أن يقود إليها.

الدقير يضع وقف الحرب والهدنة والعملية السياسية في مسار مترابط، ويرى أن السلام يجب أن يفتح الباب أمام مشروع تأسيس وطني.

والبرير يرى أن الحرب نفسها ليست سوى مظهر لأزمة دولة، وأن الحل يحتاج إلى مسارين متزامنين: أمني ينهي القتال، وسياسي يعيد بناء الدولة.

أما مداخلات الحضور، فقد دفعت النقاش إلى منطقة أكثر حساسية: هل ينبغي للقوى المدنية أن تتعامل مع دعوة قيادة الجيش للحوار باعتبارها فرصة، أم ترفضها حتى لا تمنح شرعية لمسار عسكري؟

وراء هذه الأسئلة جميعاً تقف حقيقة واحدة: السودان لا يواجه فقط مهمة إنهاء حرب، بل مهمة منع الحرب المقبلة.

ولهذا فإن أي تسوية قادمة ستُختبر ليس فقط بقدرتها على إسكات البنادق، وإنما بقدرتها على معالجة اقتصاد الحرب، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وتحقيق العدالة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام عملية دستورية وانتخابات حرة.

وفي نهاية المطاف، فإن عبارة «السلام انتصار وطن على الحرب» تختصر التحدي الأكبر: ألا يكون الهدف مجرد أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن تنتصر الدولة على أسباب الانهيار، وأن يتحول وقف إطلاق النار من نهاية مؤقتة للقتال إلى بداية فعلية لمشروع وطني سوداني جديد.