
نساء دارفور في سباق مع الموت.. الولادة تبدأ على ظهر حمار وتنتهي في مستشفى بعيد
في السودان، لم تعد الولادة مجرد لحظة انتظار لطفل جديد. بالنسبة إلى نساء كثيرات في دارفور، أصبحت رحلة محفوفة بالموت تبدأ قبل الوصول إلى المستشفى، وقد تنتهي على طريق جبلي لا يملك إلا القليل من الخيارات لإنقاذ الأم ووليدها.
في بلدة قولو بوسط دارفور، يوجد مستشفى واحد فقط يستطيع إجراء العمليات القيصرية، لخدمة منطقة جبلية مترامية تمتد لمسافات طويلة. وبين القرى والمستشفى، تقطع النساء الحوامل ساعات من الطريق سيراً على الأقدام، بينما تحمل بعضهن نقالات خشبية فوق الجبال، حتى في أثناء المخاض أو النزيف.
الصورة التي ينقلها صندوق الأمم المتحدة للسكان عن واقع الولادة في المنطقة تكشف جانباً بالغ القسوة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023: المسافة بين المرأة والرعاية الطبية قد تكون في حد ذاتها خطراً يهدد حياتها وحياة طفلها.
تقول فابريتسيا فالتشيوني، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، إن بعض النساء يتمكنّ من دفع أجرة ركوب الحمير للوصول إلى المستشفى، بينما لا تملك أخريات حتى هذا الخيار. وفي حالات كثيرة، يصلن بعد فوات الأوان.
الطريق إلى المستشفى.. جزء من الخطر
لا تحتاج المرأة في مناطق دارفور النائية إلى مواجهة مضاعفات الولادة وحدها؛ يكفي أن تكون المسافة بينها وبين أقرب غرفة عمليات طويلة حتى تتحول الولادة الطبيعية إلى سباق مع الزمن.
تقول فالتشيوني إن نساء يصلن إلى مستشفى قولو وهن في حالات نزيف أو مخاض متقدم، بعد رحلة شاقة عبر الجبال. وفي المستشفى نفسه، لا تبدو الظروف أفضل كثيراً، إذ تعاني المنشأة من نقص في مستلزمات طبية أساسية، بينها أدوية التخدير اللازمة لإجراء العمليات القيصرية. وبعد العملية، لا تنتهي الرحلة.
تعود بعض النساء إلى قراهن الجبلية بعد أيام قليلة من الولادة، في رحلة سير جديدة عبر الطرق الوعرة، وكأن الوصول إلى المستشفى كان مجرد محطة مؤقتة في معركة أطول مع الجغرافيا والحرب والفقر.
هذه التفاصيل تكشف كيف يمكن لانهيار الخدمات الصحية أن يغيّر معنى المسافة. ففي الظروف الطبيعية، قد تكون عشرات الكيلومترات مجرد طريق طويل. أما في منطقة حرب تفتقر إلى وسائل النقل والمرافق الطبية، فقد تصبح تلك الكيلومترات الفاصلة بين القرية والمستشفى المسافة بين الحياة والموت.
طويلة.. حين يصبح المخيم مدينة بلا نهاية
على بعد نحو 100 كيلومتر من قولو، عبر طرق جبلية وصحراوية شاقة، يقع مخيم طويلة للنازحين، الذي أصبح وجهة أخيرة للنساء اللواتي يحتجن إلى رعاية طبية لا تتوافر في مناطقهن. لكن الوصول إلى طويلة ليس مهمة سهلة.
تقول فالتشيوني إن رحلة فريق صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى المخيم استغرقت نحو تسع ساعات باستخدام سيارة دفع رباعي. وبالنسبة إلى امرأة في حالة مخاض، أو تعاني نزيفاً، فإن الرحلة نفسها يمكن أن تتحول إلى تهديد مباشر للحياة، خصوصاً إذا كانت وسيلة النقل المتاحة حماراً أو نقالة بدائية.
وتشير المسؤولة الأممية إلى أن نساء يصلن إلى طويلة بعد فوات الأوان، عندما تصبح قدرة العاملين الصحيين على إنقاذهن محدودة أو معدومة.
في المخيم، تتجاوز الأزمة جدران العيادات. فالمكان يستضيف أعداداً ضخمة من النازحين الذين فروا من الحرب، فيما تصل عائلات جديدة بصورة مستمرة، بحثاً عن الأمان والغذاء والرعاية.
وتصف فالتشيوني المشهد بأنه يتجاوز القدرة على التخيل: مخيم ممتد في الصحراء إلى مسافات لا تبدو لها نهاية واضحة، يضم أكثر من 700 ألف شخص وفق تقديرات الصندوق التي نقلتها.
وسط هذا الاكتظاظ، تصبح النساء الحوامل واحدة من أكثر الفئات تعرضاً للخطر، خصوصاً عندما تكون خدمات الولادة والطوارئ بعيدة عن أماكن وجودهن.
دواء بسيط قد يكون الفاصل بين الحياة والموت
لا تتوقف أزمة الولادة في دارفور عند نقص الأطباء أو صعوبة الوصول إلى المستشفى. حتى الأدوية المستخدمة في التعامل مع مضاعفات يمكن الوقاية منها أصبحت شحيحة.
ومن بين هذه الأدوية الأوكسيتوسين، الذي يستخدم للمساعدة في السيطرة على النزيف بعد الولادة، وهو من أخطر مضاعفات الولادة ويمكن أن يؤدي إلى وفاة الأم خلال فترة قصيرة إذا لم تتم السيطرة عليه.
وفي مستشفيات ومرافق صحية في طويلة ومناطق من وسط وشمال دارفور، يضاف نقص هذه الإمدادات إلى قائمة طويلة من المشكلات التي خلفتها الحرب: تراجع قدرة المرافق الصحية، نقص الأدوية والمستلزمات، صعوبة النقل، واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.
هنا، لا تبدو الأزمة وكأنها نقص في خدمة واحدة، بل انهيار متسلسل يبدأ من القرية ولا ينتهي عند باب المستشفى.
القابلة.. خط الدفاع الأول
وسط هذا الواقع، يطرح صندوق الأمم المتحدة للسكان حلاً يبدو بسيطاً في فكرته، لكنه يحتاج إلى موارد ودعم مستمرين: نقل الرعاية الصحية إلى النساء بدلاً من انتظار وصول النساء إليها.
وتقول فالتشيوني إن توفير خدمات الصحة الإنجابية بالقرب من المجتمعات الأكثر ضعفاً، وتوسيع نطاق العيادات المتنقلة، يمكن أن يقللا المسافات التي تضطر النساء إلى قطعها في أكثر اللحظات حساسية. وتبرز القابلات المحليات في قلب هذه الاستراتيجية.
فالقابلة المدربة والمجهزة تستطيع تقديم نسبة كبيرة من خدمات الرعاية قبل الولادة وأثناءها وبعدها، وفق ما تؤكده فالتشيوني، لكن هؤلاء النساء أنفسهن يعملن في ظروف شديدة الصعوبة، وبعضهن يتلقين أجورهن في صورة سلع أساسية مثل السكر والصابون بدلاً من المال.
إن دعم القابلات لا يعني فقط توفير بديل عن المستشفى، بل بناء حل صحي قريب من المجتمع، قادر على اكتشاف الخطر مبكراً والتعامل مع الحالات التي يمكن علاجها محلياً، أو إحالتها إلى المرافق المتخصصة قبل أن يصبح الطريق نفسه سبباً في فقدان حياة.
حرب طويلة.. وأمومة بلا هامش للخطأ
منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تعرض النظام الصحي في البلاد لضغوط هائلة، فيما أصبحت مناطق واسعة من دارفور مثالاً صارخاً على صعوبة الوصول إلى الرعاية الأساسية.
لكن أزمة النساء الحوامل تحمل خصوصية مختلفة. فالحرب قد تؤجل التعليم، وتعطل الأسواق، وتقطع طرق التجارة، لكنها لا تستطيع تأجيل موعد الولادة.
الطفل سيأتي في موعده تقريباً، سواء كان المستشفى مفتوحاً أم مغلقاً، وسواء كان الطريق آمناً أم محفوفاً بالمخاطر، وسواء توافرت أدوية التخدير والأوكسيتوسين أم نفدت.
ولهذا تتحول الولادة في مناطق مثل قولو وطويلة إلى اختبار قاسٍ لما تبقى من قدرة المجتمع على حماية أكثر لحظاته هشاشة.
امرأة تمشي لساعات فوق الجبال وهي في المخاض، وأخرى تحمل على نقالة خشبية، وثالثة تبحث عن حمار يدفعها نحو مستشفى بعيد، ثم أم تعود إلى قريتها بعد أيام من العملية القيصرية عبر الطريق نفسه؛ كلها صور مختلفة لأزمة واحدة.
أزمة لا تبدأ داخل غرفة الولادة، وإنما تبدأ قبلها بكثير.
وعندما يقول صندوق الأمم المتحدة للسكان إن الرعاية يجب أن تذهب إلى النساء الأكثر صعوبة في الوصول إليهن، فإن الرسالة تتجاوز الدعوة إلى إنشاء عيادات متنقلة. إنها تذكير بأن إنقاذ الأم والطفل في زمن الحرب لا يعتمد فقط على وجود طبيب أو مستشفى، بل على القدرة على إيصال الرعاية قبل أن تصبح المسافة قاتلة. في دارفور، قد لا يكون السؤال فقط: هل توجد غرفة عمليات؟
بل: هل تستطيع المرأة الوصول إليها قبل فوات الأوان؟
